أطروحة الدكتوراه عن "الخط العربي في الصحراء والساحل"

أحد, 02/15/2026 - 19:00

محمدٍ أحمد سالم

 

ناقشت منذ فترة قصيرة أطروحة لنيل درجة الدكتوراه في التاريخ والحضارة، عنوانها: "الخط العربي في الصحراء والساحل، تطوره التاريخي وأثره الحضاري حتى نهاية القرن 19 الميلادي"، وكنت حريصا على ألا أدون عنها، لأني أظن أنه ليس هناك الكثير مما تضيفه إلى رصيد معرفتي أو إليّ كشخص، فما أودعته فيها لا يمثل إلا جزءًا يسيرا مما لدي في الموضوع الذي لو أردت استكماله لما أسعفني الوقت المحدود المخصص لإعدادها، واشتراطات الحجم المقررة لها. وبالتالي، فدرجة الدكتوراه، بالنسبة لي، ليست إلا محطةً عادية في مسارٍ علمي وعملي وبحثي، لم يبدأ بها، ولن يتوقف عليها، بل سيظلّ ممتدًّا -إن شاء الله- ما امتدّ العمر ، كما أنها لن تزيدني إحساسا بأنني أحسن أو أفضل مما كنت، بل تدفعني إلى التواضع، والإقرار بأن ما فاتني من العلم في مجالها أكثر مما حصلته.

لقد كتبت هذه التدوينة استجابة لنصيحة وطلب من بعض الإخوة، ولما لمسته من بعض الناس من خلط بين الدرجة العلمية وحقيقة المعرفة، فالدكتوراه – في معناها العلمي الدقيق – لا تمنحُ صاحبها موسوعيةً، ولا تشهد له بتفرّدٍ أو عبقرية، وإنما تُقِرّ ببلوغه درجةً من التخصّص في جزءٍ بالغ الضيق من حقلٍ معرفيٍّ يمثل جزءًا يسيرا من عالم المعرفة الذي لا نهاية له. وهي خطوةٌ صغيرة في دربٍ لا تُدرك غايتُه، ولا يملك سالكُه إلا أن يزداد فيه تواضعًا كلما ازداد نظرًا وبحثًا.

لقد جئت من وسط يهتمّ أهلُه بما يعلمه الإنسان، لا بشهادته، وكثيرا ما عُيّر بعضهم بأنه لا يحمل شهادة الدكتوراه، فبان من علمه عند الاختبار، أنها قليلة في حقه، لكن تقاليد البلاد العلمية، وظروف المؤسسات الجامعية بها حالت بين كثير منهم ونيل تلك الشهادة في وقت مبكر، مع أنه أهل لها، ولأكثر منها. وأنا لا أكتب هذا لأدّعي أني مثلهم عِلما، لكن حسبي ألّا أكون من أدناهم. فالحمد لله على ما أولانيه من فضله، وما أسبل علي من ستره.

يندرج موضوع الأطروحة في إطار إعادة كتابة تاريخ الخط العربي في مجال الصحراء والساحل حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، بوصفه ظاهرة حضارية مركّبة لا مجرد تقنية كتابية. والدراسة لا تكتفي بتتبع أشكال الخطوط وتحولاتها الجمالية، بل تسعى كذلك إلى تفكيك "الأثر الحضاري" للكتابة في بنى الزمن والذاكرة والمعرفة، والسلطة، والاقتصاد، والاجتماع، لتنتقل بالبحث في هذا المجال من سؤال وصفي تقني حول هيئة الخط وتطوره، إلى سؤال تركيبي حول أدواره الفاعلة في تشكيل الاجتماع التاريخي، وهو انتقال منهجي يعيد ترتيب أولويات البحث في تاريخ الثقافة المكتوبة بالمنطقة، ويهدف في الوقت نفسه إلى سد فراغ معرفي نتج عن تشتت المعطيات التاريخية واختلاط الظواهر الكتابية بسياقاتها الجغرافية والاجتماعية الحقيقية في الصحراء والساحل.

يقوم البناء النظري للأطروحة على تصور المجال الصحراوي-الساحلي بوصفه حزامًا حضاريًا متدرجًا لا حدًّا جغرافيًا جامدًا. فالصحراء والساحل لا يُفهمان باعتبارهما خلفية طبيعية للأحداث، بل باعتبارهما فضاءً تاريخيًا تشكّلت داخله مسارات الاستيطان والمراكز العلمية وشبكات الحركة عبر طرق القوافل، حيث تداخلت التجارة بالعلم، وانتقال السلع بانتقال المعارف، وتحوّلت نقاط الماء والمسالك الصحراوية إلى عقدٍ حضارية أنتجت شروط الكتابة والتدوين. وبهذا المعنى تظهر الكتابة نتيجةً لكثافة التواصل والاستقرار المؤسسي، لا ظاهرة ثقافية معزولة؛ وهو ما يفسّر تفاوت نشأة المراكز العلمية وتوزّعها، كما يفسّر صعود بعض المناطق بوصفها بؤرًا للنسخ والتأليف مقابل انحسار أخرى تبعًا لتحولات السلطة والاقتصاد والحركة.

وفي تتبعها التاريخي لتطور الخط في المجال الصحراوي، تميّز الأطروحة ثلاث مراحل كبرى، تمتد المرحلة الأولى، وهي مرحلة النشأة، من دخول الإسلام إلى منتصف القرن الرابع عشر الميلادي تقريبًا، حيث ارتبط ظهور الكتابة بحركة التجارة والاتصال وبالحاجات الدينية والإدارية الأولى، وكان حضور الخط هذه المرحلة محدودًا ومتفرقًا، اعتمدت معرفتنا به على شواهد غير مباشرة من كتب المسالك والممالك وبعض الآثار المادية، غير أن دلالتها الحضارية تكمن في اقتران الكتابة المبكر بانتقال المجتمع إلى تصور جديد للزمن، والذاكرة الدينية، والتنظيم الاجتماعي. أما المرحلة الثانية، وهي مرحلة التوطين، فتمتد تقريبًا بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر، وشهدت انتقال الخط من حضور متقطع إلى ممارسة اجتماعية مألوفة مندمجة في التعليم، والفقه، والمراسلات، والتوثيق. وفي هذه المرحلة استقر النسخ والاقتناء وتشكلت حلقات العلم وشبكات تداول النصوص، مع تفاوت زمني ومجالي مرتبط بدرجة انتشار العربية وباستقرار المراكز العلمية. ويظهر من ذلك أن انتشار الخط لم يكن خطيًّا ولا متجانسًا، بل تراكميًا متعدد المسارات، تحدده قدرة المراكز على جذب الطلاب والنسّاخ وإنتاج المعرفة المكتوبة. وتأتي المرحلة الثالثة، وهي مرحلة ترسيخ الهُوية الخطية، من أواخر القرن السادس عشر لتمتد حتى نهاية الفترة المدروسة، في سياق تحولات سياسية ولغوية عميقة، من بينها تراجع بعض المراكز التقليدية وتزايد الضغوط الخارجية واتساع التفاعل مع بلاد المغرب. وفي هذا الإطار تبلورت تقاليد خطية محلية، فتشكلت أنماط مستقرة نسبيًّا تعبّر عن هوية تعليمية وثقافية مميزة، وإن ظلت غير متجانسة تمامًا عبر المجال، مما عكس تحوّل الخط إلى مهارة ذات قيمة مادية ورمزية في آن واحد وتحول المخطوط إلى عنصر فاعل في اقتصاد المعرفة وسوق الكتاب. كما كشفت الدراسة عن تداخل العربية مع اللغات المحلية، وعن قدرة الحرف العربي على التكيّف الوظيفي خارج حدوده اللغوية الصرفة، وهو ما يعمّق فهمه كوسيط حضاري لا مجرد أداة لغوية.

وفي فصلها التحليلي، تفكك الأطروحة مفهوم "الأثر الحضاري" للخط عبر جملة من التحولات البنيوية، حيث أسهمت الكتابة في إعادة تنظيم الزمن والذاكرة من خلال التدوين والتأريخ والضبط، وتحوّل المجتمع من الاعتماد على الشفوية إلى توزيعٍ وظيفي بين الشفهي والمكتوب، وهو ما أدى إلى نشوء مؤسسات علمية تضبط معايير المعرفة والتداول، وترتبط بالسلطة السياسية عبر الوثيقة والإدارة والمراسلة، فتنتقل الشرعية من حضور شفهي إلى ذاكرة مكتوبة قابلة للحفظ والتداول. وإلى جانب ذلك تحول الخط إلى رأس مال رمزي ومادي يمنح المكانة الاجتماعية ويدخل في شبكات الاقتصاد والتبادل، مع احتفاظه بوظائف روحية ورمزية داخل الممارسات الثقافية والدينية.