أمل دنقل مرة أخرى.. هكذا كتب شاعر الرفض دستور الصامدين

أحد, 06/28/2026 - 01:33

في ذكرى ميلاده، لماذا لم تغادر قصيدة "لا تصالح" الذاكرة العربية؟ وكيف صنعت هزيمة 1967 التحوّل الأكبر في وعي أمل دنقل الشعري والسياسي؟

 

 

مراراً يُستدعى من أرفف الذاكرة لأنه ببساطةٍ لم يغادرها، هذا الرافض المقاوم المشارك في غرس بذور الاستقلال والإرادة الحرة، لعل في حركة التاريخ وما يقوله الحاضر الطازج ما يدعو دائماً لتصدُّر الشاعر المصري، أمل دنقل، العناوين والمتون، فهو باختصار الشاعر المعتمد لكتابة دستور المقاومة والصمود.

يقول أمل دنقل في قصيدة "لا تصالح":

"لا تُصالِح ولو منحوك الذهب..
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبِّت جوهرتين مكانهما..
هل تَرى..؟
هي أشياء لا تُشترى...
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس فوق دمائي ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!"

لعله لم يرفع أحد في تاريخ الشعر العربي صيغة تفضيل المقاومة مثلما فعل محمد أمل فهيم أبو القسام محارب دنقل، المولود بقرية القلعة في مركز قفط بمحافظة قنا، إحدى محافظات صعيد مصر، في الـ 23 من حزيران/يونيو عام 1940، هذا المكان الخاص بما يحمله من سمات الشخصية الأبيّة، التي لا تستعير بصمة غيرها لتعيش بكرامة.

لم يختر أمل دنقل شاعرية القروي المهاجر من الريف إلى المدينة، أحمد عبد المعطي حجازي، ولا فلسفة حلّاج الشعر، صلاح عبد الصبور، ولا رومانسية صاحب "أغاني الكوخ"، محمود حسن إسماعيل، بل بقي ذلك الصعيدي المندهش المنطوي على ذاته حتى في قلب المدينة مثل القاهرة.

"لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟"

يقدم أمل دنقل نموذجاً استثنائياً في تاريخ الشعر العربي الحديث، يتجلى في الكيفية التي تحوّل بها التراث لديه من مجرد مستودع لحكايات الماضي إلى أداة ديناميكية صاغت ملامح هويته الشعرية والجمعية، بحسب هيثم الحاج علي، أستاذ النقد الأدبي بجامعة حلوان، والرئيس السابق لــ "الهيئة المصرية العامة للكتاب".

من السؤال إلى الثورة

  •  

يقول الحاج علي لـ"الميادين الثقافية" إن القراءة المتأنية لمدونة أمل دنقل الشعرية تكشف عن تطور لافت في وعيه الإبداعي والسياسي قد تشكَّل عبر 5 مراحل ارتبطت بتحولات تاريخية ممتدة وسياقات وطنية فارقة، بدأت أولاها في ستينيات القرن العشرين مع ديوانه المبكر "مقتل القمر"، لا بوصفه أول دواوينه صدوراً، بل باعتباره جامعاً لبدايات تجربته الشعرية.

لم يكن أمل دنقل شاعراً عابراً في الذاكرة العربية، بل ظل صوتاً يُستعاد كلما ضاق الحاضر، وكلما عاد سؤال المقاومة والكرامة إلى الواجهة. لقد كتب، بحدته ووعيه وتراثه، ما يشبه دستوراً شعرياً للصامدين.

إذ إن أول دواوينه المنشورة هو "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" الصادر عام 1969، حيث هيمن التيار الرومانسي والرمزي وتأثيرات جماعة "أبولو"، وقد اتسمت هوية الشاعر هنا بأنها "سائلة" وغير متبلورة بالكامل، وتجلت في استلهام الأساطير الشعبية المصرية البسيطة، مثل أسطورة خسوف القمر، كرموز عاطفية وإنسانية للتعبير عن اغتيال الحلم والبراءة، من دون اتخاذ أبعاد سياسية أو اجتماعية ناضجة.

الواقعية وديوان الهزيمة

  •  

أما التحول الحاسم، بحسب الحاج علي، فقد صنعته هزيمة حزيران/يونيو 1967 التي شكّلت حجر الزاوية في ديوانه "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"، فقد انتقل أمل في هذه المرحلة من الذاتية الرومانسية إلى واقعية مريرة تضع المسلّمات كافة موضع المساءلة، حيث استدعى دنقل شخصيات تاريخية متمردة في لحظات انكسارها وهزيمتها الفردية لتشريح عمق الجرح القومي.

في "أوراق الغرفة 8"، لم ينفصل الجرح الشخصي عن الجرح الجماعي. فالشاعر الذي واجه المرض في معهد الأورام ظل وفياً لروحه الرافضة، كأن معركته الأخيرة لم تكن مع الموت وحده، بل مع كل أشكال الاستسلام.

وتابع الدكتور هيثم: "مع تلاحق الانكسارات وحالة اللا سلم واللا حرب مطلع السبعينيات، تبلورت ملامح (الهوية الرافضة) في ديوان (تعليق على ما حدث)، وقد تحول الخطاب الشعري هنا إلى لغة أكثر صدامية وصراحة، ووظفت عناصر تراثية وتاريخية غير مشهورة لتكون أداة لشحذ الوعي والتثوير ورفض الواقع المستكين".

وأضاف أن هذا المشروع الشعري المتكامل بلغ ذروته في ديواني "العهد الآتي" و"أقوال جديدة عن حرب البسوس"، فقد تحوَّل الشاعر من الرفض السلبي إلى "الهوية المقاومة" الحاثة على الثأر، وقد توازت لغته في الأول مع التراث الديني المقدس عبر التناص مع الروح التوراتية والقرآنية، بينما أعاد في الثاني قراءة واستنطاق "حرب البسوس" مُسقطاً إياها على الحاضر العربي، ومحذراً من النزاعات الداخلية، معلناً أن استعادة الأرض والمجد لن تكون إلا بالدم.

"قلت: فليكن العدلُ في الأرض،
عين بعين وسن بسن.
قلت: هل يأكل الذئب ذئباً، أو الشاة شاةً؟
ولا تضع السيف في عنق اثنين:
طفل.. وشيخ مُسنْ.
ورأيتُ ابن آدم يُردي ابن آدم...
أصبح العدل موتًا، وميزانه البندقية،
أبناؤهُ صُلبوا في الميادين، أو شُنقوا في زوايا المدن..
قلت: فليكن العدل في الأرض.. لكنه لم يكن...".

ويختتم هيثم بقوله: "في المرحلة الخامسة والأخيرة، التي تجسدت في ديوان "أوراق الغرفة 8" المرتبط بتجربته الأخيرة داخل معهد الأورام في العاصمة المصرية، اندمج الجرح الذاتي المتمثل في مرض أمل دنقل العضال بالجرح الجماعي للأمة، وتميزت هذه المرحلة بنزوعها نحو (الهوية المتأملة) التي مزجت بين الوعي بالفناء والتشبث بالجذور الصعيدية كأداة مقاومة أخيرة، كما بلغت السخرية والكوميديا السوداء ذروتها كآلية دفاعية لمواجهة المفارقات السياسية المعاصرة، مثل اتفاقيات السلام ومجلس الأمن".

شكّلت هزيمة حزيران/يونيو 1967 لحظة فاصلة في تجربة أمل دنقل، إذ انتقل من الرومانسية والرمز إلى واقعية جارحة، تُسائل الهزيمة ولا تكتفي برثائها، وتحوّل الانكسار القومي إلى مادة شعرية للمواجهة وكشف الزيف.

من جهته، يقول الناقد والشاعر، أحمد عبد الجواد، إن معركة أمل دنقل لم تكن إلا مع الكلمة، فقد يظن كثيرون، بحسب قوله لـ"الميادين الثقافية"، أن الرفض عند أمل كان مجرد موقف أيديولوجي، أو حماساً لحظياً ينتهي بانتهاء الهتاف، لكن الحقيقة أعمق، فالرفض لديه كان بنيوياً، جينياً، وُلد معه في صعيد مصر، حيث الكلمات لا تحتمل وجهين، وحيث "الصلح" هو انكسار وإفلاس للهوية.

على رصيف القتال

  •  

ويضيف عبد الجواد، أنه عندما نزل أمل دنقل إلى القاهرة صدمه زيفها وطبقاتها، وفي الوقت الذي كان فيه الجميع يتهافتون على الوظائف الميرية، اختار هو رصيف المقهى، وهذا الاختيار كان أول "فعل كلامي" حقيقي يمارسه، فرفض أن يبيع قلمه ليكون حراً في صياغة وعي أمة، تماماً كالمقاتل الذي يعرف أن "احترام البساط" يبدأ من الانضباط والترفع، لقد عرف أمل أن احترامه لكلمته يقتضي ألا يخضع، فعاش شريفاً لتبقى لغته سيادية، لا تقبل التبعية.

في "لا تصالح"، لم يكن أمل دنقل يكتب قصيدة سياسية فقط، بل كان يعيد تعريف معنى الحق. فالدم لا يُقايض، والذاكرة لا تُشترى، والكرامة لا تقبل أن تلبس فوق جرحها ثيابًا مطرزة.

وأوضح أن دنقل في قصيدته الشهيرة "لا تصالح" يتجلى لديه "علم اللغة السياسي" في أبهى صوره، إذ يروي حرب البسوس ليعيد ضبط المصطلحات المفاهيمية التي تلاعبت بها الأنظمة، فصرخته "هي أشياء لا تُشترى"، وإثبات بالبرهان القطعي أن المساومة على جزء من الحق هي ضياع للكل، وأن بعض المعاملات الاقتصادية والسياسية هي "خسارة مطلقة" للهوية.

"لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدامْ
"... ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.."
عندما يملأ الحق قلبك:
تندلع النار إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانة يخرس"

ويؤكد عبد الجواد حالة الثبات النضالي لدى أمل دنقل، خصوصاً في مرحلة "الغرفة 8" في معهد الأورام أواخر حياته، إذ كان شاعرنا يخوض معركته التداولية الأخيرة. فالمقاتل لا ينسحب، رفض أن يستسلم للموت كما رفض أن يستسلم للسلطة، واللافت، بحسب قول عبد الجواد، أن أمل دنقل ترك لنا في أوراقه الأخيرة شوقاً للمعرفة والتحرر. ذلك أن أوراقه وأفكاره غيّرت طريق أجيال بعده، وقالت لنا إن انتصار الصامدين في كل ميادين الحرية هو الأثر الحي لنبوءة أمل دنقل.

 

مصطفى علي

كاتب صحافي مصري