تقاطع الشعر الجاهلي والشعر الحسان / الدي ولد آدب

جمعة, 08/25/2017 - 04:12

المقدمة: غالبا ما يكون رواة الأدب الشعبي وسدنته غير مثقفين ثقافة أكاديمية، وبالمقابل يكون المثقفون الأكاديميون غالبا منقطعي الصلة بالأدب الشعبي.

وفي كلتا الحالتين يقع على هذا الأدب الجميل ضيم مزدوج من هؤلاء وهؤلاء، فيبقى رهين المحبسين لا يبرح مكانه، تجتره ألسنة رواة غير قادرين على إدراك أعماقه الإبداعية، أحرى دراسته تأصيلا أو تحليلا، بينما يبقى المثقفون من جهتهم معتكفين في بروجهم العاجية يطوفون بصنم الأدب الفصيح لايرون سواه أدبا ولا يبغون عنه حولا، وذلك نظرا لا عتقاد خاطئ يعتبرأن "الاهتمام بالثقافة الشعبية ترف بله نزق لايليق بمن ينتمي إلى عالم البحث ويحمل شواهد أكاديمية ويدل بألقاب علمية"([1])

وتحت الإحساس بوطأة هذا الضيم المزدوج الواقع على الأدب ا لشعبي بدأت منذ سنوات أحاول أن أدخل إلى حرمه من خلال ما تعلمته عن الأدب الفصيح موظفا إياه في استكناه أسرار الإبداع الشعبي الغني، ولاسيما الأدب المؤلف باللهجة الحسانية في موريتانيا وما يحاذيها من مجالات البيظان شمالا وشرقا، متناولا الأمثال الحسانية وغيرها من أنماط هذا الأدب الرفيع.

  واليوم فضلت  أن أحوم حول الشعر الحساني وخصوصا في علاقته بالشعر الجاهلي، وهي علاقة تبدو- لأول وهلة-  بعيدة المناط ، بعد ما بين طرفيها في الفضاءات الزمانية والمكانية والإنسانية، ولكن العجب يزول إذا عرف السبب، وأي بحث لا ينطلق من إثارة مفارقة يسعى لترويضها منطقيا وعلميا هو بحث لا يساوي الحبر الذي سطر به.

وهكذا ما إن بدأت أتلمس نقاط التقاطع بين هذين الشعرين حتى فوجئت بأنها أكثر مما كنت أتوقع، لدرجة تكاد تصل حد التطابق، من حيث غموض النشأة، ومن حيث الأغراض والمعاني والتصورات.

 وهذا التماهي الذي ستكشفه عناصر العرض لا يرجع إلى مجرد التقليد والاستنساخ، كما يتبادر للأذهان أول نظرة، بل إننا إذا أرجعنا البصر كرتين في الموضوع ،سنجد أن التقليد إذا كان محتملا في حق منتجي الشعر الحساني العلماء المطلعين على الأدب الجاهلي، فان ذلك منتف كليا في حق منتجيه الأميين، ونظرا لإستحالة هذا التعليل القريب، فإننا لابد أن نؤكد أن هذا التطابق الغالب بين الشعرين الجاهلي والحساني مرده إلى الصلات الحميمة بين الأفقين والبيئتين المنتجتين لهذين الشعرين.

ا- من حيث القرابة العرقية:  فبنو حسان الذين بصموا اسمهم على هذا الشعر، وعلى ثقافة فضاء البيظان الممتد من موريتانيا الى جنوب الجزائر، وجنوب المغرب، وشمالي مالي، إلى منحنى نهر النيجر، هؤلاء الحسانيون هم عرب المعقل القادمون من أعماق الجزيرة العربية مهد الشعر الجاهلي، عبر رحلة طويلة في الزمان والمكان والإنسان، استفادوا خلالها من كل ألوان الحضارات التي اجتازوها عابرين، دون أن تطمس هويتهم البدوية العربية المستحكمة، حتى انتهوا  بها إلى أقصي مرامي الرحلة على ضفاف نهر السنغال ،في موريتانيا مركز الأصالة الحسانية ومنطقة الاستشهاد في ثقافتها" فعلى مقدار الاقتراب أو الابتعاد من الحدود الموريتانية تختلف (اللهجة الحسانية) فصاحة وعمقا ،فإن اقتربنا كانت أقرب إلى فطرتها، ينتابها بعض الغموض نظرا لعمق معانيها واختيار ألفاظها المعبرة المختصرة، وإن ابتعدنا كان العكس"([2])

ب- من حيث تطابق البيئتين: فقد وجدت القبائل الحسانية في هذا الإقليم نسخة طبق الأصل من بيئتها الصحراوية في جزيرة العرب، «فألقت عصاها واستقر بها النوى »، وأخذت تمارس الأنساق الثقافية والحياتية ذاتها التي كانت وكان أجدادها يمارسونها هنالك، من انتجاع المراعي، والتشبث بأذيال الإبل، والصراعات والحروب القبلية، إلى غير ذلك من العلاقات الاجتماعية، إلا أنهم من خلال التثاقف والتزاوج والتفاعل، مع محيط السكان الأصليين للبلد قد استفادوا من مسلمي البربر هناك تعميق الروح الديني، واستفاد السكان الأصليون منهم بالمقابل تعميق الروح العربي، فأصبحت بداوتهم بداوة مسلمة معربة مثقفة عالمة، تشكل استثناءا في مسلمة ابن خلدون حول البداوة.

وهكذا يصبح ما توصلتُ إليه من خلال النحت في جذور العلاقة بين الشعرين الجاهلي والحساني مظهرا مشرقا من مظاهر عراقة الثقافة الحسانية، وتأصيلا لكيانها الضارب الجذور في عروبته، على الرغم من أن أمه قد "انتبذت به مكانا قصيا" في منتهى حدود العالم العربي المصاقبة لإفريقيا السوداء.

 ومن هنا يجب التنبيه إلى أن اختياري الشعر الجاهلي ،دون غيره من أشعار العصور اللاحقة، يرجع كما اتضح إلى أنه كان أقرب إلى نبض الشعر الحساني، من حيث علاقتهما معا بروح البيئة البدوية العربية وإفرازاتها الثقافية، ولهذا يمكن أن يعتبر الشعر الحساني أكثر أصالة من صنوه العربي الفصيح، الذي عرفت به موريتانيا، حتى انتزعت لقب "بلاد المليون شاعر"، ومرد ذلك إلى أن الشاعر الموريتاني الفصيح حين يكتب قصيدته، ولو كانت مستوحاة من  خصوصيته الذاتية، فإنها تظل محكومة بتقنيات نموذج جاهز وحاضر في وجدانه وثقافته، بينما لايتحقق حضور النموذج أو استحضاره في تجربة الشعر الحساني الذي يغلب على الشاعر فيه أن يكون مثل الشاعر الجاهلي يعبر عن تجربته بدون تقمص نموذج مسبق.

ومهما يكن سيظل أصعب ما يعانيه المتجاسر على مقارنة الشعرين هو ضرورة استحضار النموذجين الجاهلي والحساني في ذاكرته أو في كتابه، حتى ينطلق من أحدهما إلى الآخر، راصدا نقاط الاتفاق بمجسات سحرية حساسة، قد تعوز الباحث في أكثر الأحيان، وهذا ما تجشمنا عناءه في هذه الرحلة الشاقة الممتعة، التي استأثرنا دون القراء بعنائها وآثرناهم بمتعتها، التي نرجوا أن يشاركونا إياها عبر النقاط التالية:

 

ا- نشأة الشعرين:

إذا كانت نشأة الشعر الجاهلي يكتنفها كثير من الغموض، أدى إلى جهل البدايات، وافتراض حلقة مفقودة قبل الشاعر المهلهل، الذي يعتبر أول من هلهل القصيدة العربية، وامرئ القيس الذي يسلم له بالريادة ا لفنية الناضجة، فإن هذا الواقع فرض نفسه على الشعر الشعبي الحساني، فلم يستطع الباحثون المهتمون بهذا الموضوع على قلتهم «أن يعطونا تاريخا محددا لظهور الشعر الموريتاني في هذه البلاد، وإنما هناك استنتاجات و افتراضات لا تقودنا الى نتيجة محددة عن تاريخ نشأته، لكنهم رغم ذلك يجمعون على أنه ظهر ونشأ بعد دخول الهجرات العربية الحسانية لهذه البلاد فى القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي...وبعد تغلب اللهجة العربية الحسانية على اللهجات المحلية للسكان الأصليين، وطبعا فإن التغلب وسيطرة لغة على أخرى حتى تحل محلها يستغرق وقتا طويلا، لذلك فمن الطبيعي أن يكون الشعر الحساني قد مر بعدة مراحل وتطورات قبل المرحلة التي نسميها مرحلة البلوغ (النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري)»([3])

أما عن الريادة في مرحلة البلوغ هذه فيعتبر« في حكم المسلم به أن سدوم ولد انجرتو 1267هـ يعد واحدا من أبرز شعراء الحسانية، ولعله من بين أقدم شعرائها المعروفين، إن لم يكن أبرزهم وأقدمهم على الاطلاق»([4])

وهكذا تبقى الفترة الممتدة مابين دخول اللهجة الحسانية في القرن الثامن الهجري، وظهور سدوم ولد انجرتو في النصف الأخير من القرن الثاني عشر الهجري فترة مظلمة، لابصيص فيها لأي شعر حساني سوى نماذج قليلة وغير ناضجة، لا تساوي شيئا بالمقارنة مع نبض الأحداث الجسام والتحولات الكبيرة التي شهدتها المنطقة خلال هذه الحقبة، بدرجة لايمكن أن يصمت عنها الشعراء لو كانوا موجودين، كما يستحيل أن تحفظ هذه الأحداث ولا يحفظ الشعر المرافق لها، فلنترك هذه القترة ما دامت تضن بالإجابة على هذه الأسئلة الحائرة، كما هو حال نظيرتها في الجاهلية، ولنتقدم إلى نقطة أخرى في سياق المقارنة هذه، وهي:

اا- مضامين الشعرين:

فهي تعتبر مجلى أساسيا من مجالي تداخل حياةالانسان الحساني والجاهلي، حيث ترتكز حياتهما في مدارها الواسع على

1-الأرض: التي تتسم في الفضاء الصحراوي بشح الموارد الضرورية لحياة الانسان ورفاهيته وأمنه، مثل الكلإ والماء والحصانة، وهذا ما يجعل علاقة هؤلاء الصحراويين تكاد ترتبط بالسماء أكثر من الأرض،  فهم أبناء غيوم وأهل مزنة، وذلك يتطلب الترحل  الدائم وارتياد مواقع المياه والمراعي، وما دامت خريطة وطن هؤلاء مرسومة في السماء على هذا النحو، فان الصراع سيكون محتدما حول هذه الضروريات الشحيحة، وهنا تكون قوة القبيلة أو المجموعة تقاس بمدى تحكمها في "ارتياد الآفاق" حيثما أرادت،دون ما تخوف من بأس أي قبيلة أخرى.

حرية الانتجاع:

وهكذا تواطأ الشاعر الجاهلي والشاعر الحساني على الافتخار بحرية الانتجاع بإبلهم وظعائنهم، مبرزين قدرتهما على حماية الأرض والعرض معا، فالشاعر الجاهلي زهير بن جناب يقول:

فقد أضحي لحي بني جناب       فضاء الأرض والماء الرواءُ

ونصدق طعننا في كل يوم         وعند الطعن يختبر اللـــــقاءُ     

نفينا نخوة الأعداء عنــــــا                بأرماح أسنتها ظمـــــــــــاءُ

وقال الشاعر الجاهلي الآخر بشر بن أبي خزام:  

وغيثٍ أحجم الروادُ عنـــه        له بَقَلٌ وحوذانٌ تـــــــــؤامُ

تعالى نبته واعتمَّ حـــــتى         كأن منابت العلجان شـــامُ

أبَحْناه لحـــي ذي حـــــــلال      إذا ما ريح سربهم أقامـــوا

       وإن الجزع جزع عريتنات        وبرقة عيهمٍ منكمْ حــــرام

        سنمنعها وإنْ كانت بــــلادا        بها تربو الخواصر والسنام

وهكذا نجد الشاعر الحساني يحوم حول المعاني نفسها، حيث يقول محمد ولد محمد شين:

        نجع  لعناي والتشطــــــاط                سوحل ا بمبروم اللــــــــيّ

        وكال ساحل عڤدت لنبــــاط       وكال شرڨ المداحـــــــيّ

        وڨلب اميجك واڤليب الغيـن        كالهم نجع اخلاص الديـن

        واجوير وعڤلت توريــــــن       كالهم بين اهل النـــــــــيّ

        وكال وحدُ نعمَ أما سيـــــن        وافتاس والعرڤــــــــــــيّ

الوقوف على الطلل المطموس

حيث يبدو الطلل أحد مكونات الأرض اوالوطن بالمفهوم الواسع، وتعتبر الوقفة أمامه وقفة وجودية ،طالما رآى فيها الشاعر أبعادا نفسية وفكرية تكثف اللحظة والبقعة، في رؤية تتجاوز عالم الشهادة إلى عالم الغيب، ويلتبس فيها المرئي بالمخفي، ويتداخل الماضي والحاضر والمستقبل. ولعل خير مثال لذلك في الجاهلية هو امرؤ القيس أول أمير للشعراء وأول من وقف بالأطلال وأستوقف وبكى و استبكى في مطلع معلقته:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل         بسقط اللوى بين الدخول فحومل

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها         لما نسجتها من جنوب وشمـــأل

وكذلك قول النابغة الذبياني :

أهاجك من سعداك مغنى المعاهد         بروضة نعميّ فذات الأساود

تعاورها الأرواح ينسفن تربها           وكل ملثٍ ذي أهاضيب راعد

وغير بعيد من الشاعرين الجاهليين ـرغم  شساعة المسافة الزمانية والمكانية ـ يقف الشاعر الحساني أمام طلله المطموس، وقفة تكاد تكون أروع وأعمق من وقفة سابقيه:

كان اذريِّع لتوين ازوينْ           وبل اللّعب ولاه حافِ

واعلَ عاد اذريِّع لتوينْ            ما يلعب يكون السّـَافي

راعِ يالدلال الدّيارْ                 مَبعدهم عادُ من لعمارْ

هاذ دار لونست لَبصارْ            ابلدها مستدرس خافِ

واعليه السّاف كل انهار           يلعب مستڤبل ومڤافِ              

 شيم البروق:

 يندرج شيم البروق هو الآخر ضمن مشمولات مفهوم الأرض أو الوطن، تصديقا لإرتباط الكائن الصحراوي بوطن يوجد في السماء أكثر مماهو في الأرض، حيث يتقاطع، في شيم البروق موضوعان: الانتجاع من جهة، وطلل المحبوبة من جهة أخرى، وقد يكون تقاطعهما تقاطع توافق حين يلوح البرق على أطلال المحبوبة، واعدا برجوع المياه إلى مجاريها الطبيعية، واستعادة الأرض لزخرفها وخصبها، وقد يكون تقاطع تناقض، حين  تلوح البروق على مواطن أخرى غريبة، تقتضي دوافعُ الانتجاع ارتيادها ، ولو على حساب نوازع الألفة لأطلال المحبوبة الأصلية.

 ومن الأمثلة الجاهلية لشيم البروق قول امرئ القيس:

أصاح ترى برقا أريك وميضه        كلمع اليدين في حبيٍّ مكلل

قعدتُ له وصحبتي بين ضـارج      وبين العذيب بعد ما متأمل

علا قطناً بالشيم أيمن صوبــه         وأيسره فوق الستار فيذبل

ومثال شيم البروق في الشعر الحساني قول سيد محمد بن القصري:

نكرَ تشبـــــاشِ يالمــــجيــدْ       وراحْ ا خلاڤِ من فڤــد اجــديدْ

شوف ابرڤ يخفڤ تل ابعيدْ      بت الاّ نرعــاه بلبصــــــارْ

ونميزن فوڤ آش من ابليــدْ      وان ڤاعد لُ فوڤ ازبـــــارْ

الوكحَ من ڤـَـــــدّْ امْ اقــــريدْ      الين اعرفتْ انُّ فوڤْ ادِيارْ

العينْ و كفّـــَلْ وانواشيــــــدْ      واڤـلابْ وتمرَ وانفَــــــــارْ

مزالْ افذاكْ من اجريحـــاتْ      لمسايلْ يتڤطّـَــع لخظــــارْ

ومزالْ يڤصْ الاّ وطـــيــاتْ      تزرڤيقْ المَ من لحجــــــارْ

فهنا يلاحظ توافق عجيب بين الشاعرين في الطقوس الخارجية والنفسية لشيم البرق قديما وحديثا، حيث هناك قعدة واستشراف لمواقع المطر على أطلال معينة مألوفة،وهناك طيٌ للمكان الشاسع ما بين موقع الرصد الجوي لدى الشاعر، وموقع سقوط المطر المفترض، حتى لكأنَّ الشاعر الراصد يرى بأم عينيه خرير المياه وجريان الغدران، مختزلا للزمان والمكان، حيث ينفذ ببصيرته بدل باصرته إلى المستقبل في المكان البعيد، حتى ليرى في الوقت نفسه الأرض بعد نزول المطر قد تشربته، فأخذت زخرفها وازّينت واهتزت وربتْ، بعد المحل والجدب، مع ما يرافق ذلك من احتمال عودة الأهالي إلى الأطلال التي كانت مهجورة تحت وطأة الجفاف.

2- المرأة:

تعتبر المرأة هي شقيقة الوطن أو هي الوطن الحقيقي عند الشاعر الصحراوي، حسب ما توحي به الإلماعات السابقة، ومهما يكن فإن علاقة الشاعر بالمرأة، في مدونتي الشعر الجاهلي والشعر الحساني، تأخذ تجليات متعددة، فهي تتأطر ضمن:

منظومة ملذات الشاعر:

تلك الملذات اللتى كان يعتبر الجاهلي والحساني أن التشبث بها من مرتكزات الفتوة، على الرغم من الاختلاف في ماهيتها وفي عددها، حيث يراها امرؤ القيس «خلاّت من العيش أربعا» يحرص على مراقبتها دائما، بينما يعتبر طرفة بن العبد أنها «ثلاث هن من عيشة الفتى». ويتفق الشاعران أن هذه الخلات لولاها ما كان للحياة طعم، ولا كانا يباليان بأجلهما المحتوم، يقول امرؤ القيس:

جزعتُ ولم اجزع من البينِ مجزعا    وعزيتُ قلبا بالكواعب مولـــــعا

وأصبحتُ ودعتُ الصبا غير أنني       أراقب خلات من العيش أربعــــا

فمن هن قولي للندامى ترفـــــــقــوا      يداجون نشّاجا من الخمر مترعا

ومن هن ركض الخيل ترجم بالقنا      وتفزع سربا آمنا أن يفــزّعـــــا             

ومن هن نص العيس والليل شامـل      تيمم مجهولا من الأرض بــــلقعا

ومن هن سوفِ الخود قد بلّها الندى     تراقب منظوم التمائم مرضـــــعا

ويقول طرفة في السياق ذاته:

ولولا ثلاث هن من عيشة الفتـــــى      وجدك لم احفل متى قام عوّدى

فمن هن سبقي العاذلات بشربــــــةٍ     كميتٍ متى ما تعلَ بالماء تزبد

وكرّي إذا نادى المضاف محنبـــًـا       كسيد الغضا نبهته المتورد

وتقصير يوم الدجن والدجن معجب     ببهكنة تحت الطراف الممدد  

وعلى الضفة الأخرى للجاهلية حيث الشعر الحساني، يرى صوت الرفاهية أن خلاته هو الآخر أربع، يتشبث بها ومن ضمنها المرأة، فيقول:

مانبغ ماهَ الطيبْ            والديرَ والبابورْ

واميمَ منت احبيبْ          والغفور الشكورْ  

بينما يرى صوت الفارس العاشق المرأة ضمن خصلتين يتشبث بهما، ولا ثالثة لهما،إذ يقول محمد المختار ولد الحامد:

والله عظَّمت الجَوَّادْ        مانبغ يالحيْ القيُّومْ

ماهُ يومِ عند العرادْ                 واللّ يومْ البارود اڤومْ   

تماهي الطلل مع المحبوبة:

وذلك حين يرجح الشاعر كفة الحب على كفة الخصب، فتكون قيمة الوطن أيا كان نوعه مقاسة بعلاقته مع المحبوبة، قياسا وجدانيا غير موضوعي، فيصبح خصب البلاد وجمالها ومحبتها رهنا بوجود المحبوبة فيها، ولو كانت مجدبة قبيحة ،والعكس صحيح، يقول أبو ذئيب الهذلي:

وأرى البلاد إذا سكنتِ بغيرها       جدْبا وإن كانت تطلُّ وتخصبُ

ويحل أهلي بالمكان فلا أرى        طرفي بغيرك مرة يتقلب

وتهب سارية الرياح من أرضكم        فأرى الجناب بها تحل وتحبب

 ويقول الشاعر الحساني عبد الرحمن ولد بكار ولد سويد احمد:

اعليّ يالواد لغلاكْ          - لخظر-عن البيظ ماه ماكْ

ولابيّ - مانللّ - مرعاكْ         مرعاك آن ماه بيّ

ألاَّ بيّ كون ابكاكْ          منزلْ فيكْ وذيكْ الحيّ

وانّكْ حوريّ فيكْ وذاكْ    يالوادْ لغلاكْ عليّ

تضاد الإرادات في الحب:   

وذلك مثل أن يحب رجل امرأة تحب غيره أو العكس، وهي حالة معقدة، قد تتجاوز الثنائية لتدخل في دور وتسلسل متعدد الأطراف، حسب ما عبر عنه الشاعر الجاهلي الأعشى البكري:

علقتها عرضا وعلقت رجلا      غيري وعلق أخرى غيرها الرجلُ

وعلقته فتاة مايحاولها          من اهلها ميت يهذى بها وهلُ

وعلقتنى أخيرى ما تلائمنى               فاجمع الحب حبٌ كله تبلُ

وهذا ما رصده من زاويته الشاعر الحساني حيث يقول:

ڤـلتي لِ يزهوَ اكناني       محال اديري لِ ثانِ

كون أحمد وحدُ بَرَّانِ      من ذيك الناس الشرڤيّ

ذالڤلتي لِ فاحمدْ رانِ       عندِ عنُّ جدْ عليّ

غير آن راه النيّ ذيكْ      اوحدَه من غيد الحيّ

ملڤاه لايجلــــج فيكْ                حتّ هيّ برانيَّ

 ويلاحظ أن الأعشى عرض تناقض ا|لإرادات في الحب على شكل أزمة لا يوجد لها حل، بينما ابتكر لها الشاعر الحساني حلا يتمثل في تكافؤ ازدواج الإرادات بين المرأة والرجل، فهي تحب معه شخصا آخر، وهو كذلك يحب معها أخرى ،و واحدة بواحدة جزاء، والبادئ أظلم.

رد الفعل على غيرة زوج المحبوبة:

وهو رد فعل يتقاطع فيه الشاعر الجاهلي والشاعر الحساني، إلا أن امرؤ القيس قد اكتفى بالتحدي، مواجها التهديد بالقتل بالتهديد المضاد لزوج محبوبته، معلنا استعداده للدفاع عن النفس بالسلاح المادي، وهذا شيء عادٍ ،لاسيما في قوانين الجاهلية:

أيقتلني والمشرفي مضاجعي      ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟

أما الشاعر الحساني فإنه قد تجاوز هذا المعنى على منحى آخر أكثر إمعانا في الاستجابة لمواضعات الغزل، حيث رد على تهديد زوج محبوبته له بالقتل، بان قتله متحقق بالفعل، ولكنه ليس بسلاح الزوج الغيور، وإنما بسلاح الغرام بزوجته المحبوبة، وهذه لفتة بارعة تفوق بها شاعرنا على شاعر الجاهلية، إذ كان أصدق في التعبير عن الحب ،و|أكثر إمعانا في إهانة الزوج ،وتحديه بسلاح آخر ليس أقل فتكا:

مذكور ولافيه تشناعْ       صاحب ذ الّ مولع بيهَ

لاه يكتلن وآن ڤاعْ          ميتْ ڤبلُ كنتْ عليهَ

الكناية عن المحبوبة:

قد يكون التجافي عن التصريح بالحب أو المحبوب أولى منه في بعض الأحيان أسلوب الكناية والرمز، إما تعمية على أهل المحبوبة ورقبائها، كما يقول عنترة بن شداد:

يا شاة ما قنص لمن حلت له         حرمت علي وليتها لم تحرمِ

فبعثت جاريتى فقلت لها اذهبى    فتحسسى اخبارها لي واعلمى

قالت: رايت من الاعادى غرة    والشاة ممكنة لمن هو مرتم 

 

ولكن الشاعر الحساني يتجاوز إلى الرمز بالشاة، تعمية على المحبوبة نفسها، حين تتعدد المحبوبات :

 يوڤِ بيكْ ا جْدَيّ           مغيلاكْ عـــليّ

.يومن تكبرهيَّ            تكتلن بالليعَ

واتعوداحويليَّ            ولَّ كاع اجديعَ

يمَتَّانَتْ وَجْدى          ذان قلتْ اطليعَ

لجْدَيَ ذاكْ اجْدِ       قوليلُ تبريعَ

المرأة والشيب:

وذلك حين يفعل الزمن فعله في نضارة الشكل الخارجي للشاعر، بينما يبقى قلبه محتفظا ببقايا من نبض شبابه ، تهفو به إلى المرأة التي غالبا ما تعتمد على "المذهب الظاهري" في مثل هذه الحالات، دون أن تكلف نفسها عناء جس النبض العاطفي، وهذا ما اشتكى منه علقمة الفحل:

فإن تسألوني بالنساء فإنني                خبير بأدواء النساء طبيب

إذا شاب رأس المرء أو قل ماله         فليس له من ودهن نصيب

يردن ثراء المال حيث علمنه     وشرخ الشباب عندهن عجيب

وإذا كان الشاعر الجاهلي هنا يكتفي بعرض شكواه في سياق حكمة أو نصيحة يقدمها لمن يحتاج إلى الاقتباس من خبرته في الحياة،فإن الشاعر الحساني أحمد سالم ولد ببوط كان أكثر إحساسا بألم هذا الانفصام بين الشيب الظاهر والحب الباطن، حيث ساق الموضوع في شكل تعبير عن تجربة ذاتية، يفور بالشكوى أوّارها العنيف:

كارهْ عدتْ الحياة   بيّ هاذي الشيباتْ

عدتْ نشوفْ اعلياتْ       اسغرات امّواتِ

ملڤاهم وهروباتْ           عنّ ذوكـــماتِ

وحول الموضوع نفسه يتحدث سيد أحمد ولد ببكر من شيوخ أولاد أحمد، وإن كان يجعل نفسه هو المتجافي عن الفتيات إحساسا بمفعول الشيب:

شيبِ- يلطف بيّ-      شابْ اللهو اعليّ

عتْ انشوفْ اعشيّ        لغيود انجوليهمْ

ما معناوْ عليّ               ولامعنيتْ عليهمْ

الشيب وتأثيره البدني:

وغير بعيد من هذا الموضوع السابق الذي ركز فيه الشعران على وصف التأثير الداخلي للشيب، يتناولان الآن تأثيره البدني الخارجي، فيقول ذو الأصبع العدواني في الجاهلية:

لايبعدن عصر الشباب ولا        لذّاته ونباته النضر

هزأت زبيبة أن رأت دردي      وأن أحنى لتقادم ظهري

من بعدما عهد وأدلفني             يوم يجيء وليلة تسري

يقول الشاعر الحساني ولد العاقل في السياق ذاته:

عاڤب كنّ شباب مردْ      واصل اڤففنَ زينات ڤردْ

وسنينَ زيناتْ سدْ          ماه شكوَ للبارِ

عدن- واحمدن ذاك بعد -         لله الحمد الجارِ

الْحَيانَ "بوخيصْ طلْ"    وشيبْ نواظرنَ وارِ

وبلْ اڤففنَ عادْ اصطلْ     وبلْ السنينْ افرارِ

استرجاع ذكريات الحب:

إذ أن أيام الوصل عندما تولي، بمفعول الزمن، وينتصب واقع الشيخوخة حاجزا دونها، لا يصبح أمام الذات الشاعرة غير تقطير التجربة الابداعية من ثقوب الذاكرة، استرجاعا لماضيات التجارب العاطفية، فيقول الشاعر الجاهلي عبيد بن الأبرص:

هل الليالي والأيام راجعة                 أيام نحن وسلمى جيرة خلطُ

إذ كلنا ومق راض بصاحبه       لايبتغي بدلا فالعيش مغتبطُ

ويقول الشاعر الحساني مهادي ولد أوجّ :

يلاّل منصاب انزلناكْ      يلحسيْ امنيزلن ذاكْ

واجهرناكْ ورڤبنَ ماكْ     وعدنَ كل ؤقيت انججوكْ

كيفت حالتن ذيك معاك     يلحسي ليالين ذوكْ

وارجعت انتَ هو هذاك     وارجعن احن هوم هذوكْ

المرأة بين المشي والتكشف:

من المظاهر اللتي استوقفت الشاعرين الجاهلي والحساني طريقة مشي المرأة ولحظات سفورها العابرة ،ويعتبر توافق الشاعرين حول هذين الموضوعين مسوغا، حسب المعطيات البيئية المشتركة،حيث كانت مواضعات الجمال في كلتا البئتين تمجد ضخامة جسم المرأة ، بما يستلزم من تمجيد التمهل في سيرها،لأنه أكثر انسجاما مع الحياء والرزانة ،ولزوم بيت أهلها ، حرصا على صيانتها ، وتعبيرا عن ترفيهها وتكريمها عن الإمتهان والخدمة ، وكذلك الأمر فى السفور العابر ، لأن عادة المرأة في كلاالمجتمعين هي التستر غالبا ، ولعل خير من يعبر من مشية المرأة الجاهلية هو الأعشى في قوله :

كأن مشيتها من بيت جارتها          مر السحابة  لاريث ولا عجل

يكاد يصرعها لولا تشددها          اذاتقوم الى جاراتها الكسل    

كما أن خير تعبير عن تسترها هو قول النابغة الذبياني:

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه     فـتناولتـه واتـقتـنا بـالـــــــــــيد

أما الشاعر الحساني فإنه قد جمع بين الأمرين فى قوله :

شفتْ الِّ مالِ لعدْ بيهْ    طرفُ لرياحْ اتلاڤفُ

ماشِ بشَّوْرْ وذيكْ فيهْ      حاكمْ بيديهْ احْراڤفُ

الغزل المعكوس

ولعل هذه أهم نقطة  وجدتُ الشاعر الحساني قد سجل فيها سبقا واضحا على نظيره الجاهلي في موضوع الغزل ، حيث دأب الشاعر الجاهلي على رسم صورة نمطية للمرأة المحبوبة، باعتبارها فتاة بيضاء دائما، طويلة الشعر، مفلجة الأسنان، جميلة القوام ، وكأن الحب لايمكن أن يتعلق إلا بهذه الصورة النمطية، التى ظلت تتكرر حتى جاء الشاعر الحساني، ليعبر بشكل أكثر صدقا عن حبه لمن لا تتمتع بأي صفة جمالية ظاهرة،مكسرا بذلك رتابة المألوف ،متغزلا بما يشبه الذم :

ڤولي لِ راجلْ جاكْ          شِدَوَّرْ هـوَّ ذاكْ

انـتيَّ مانـكْ هــــاكْ           أمْرَ ڮاعْ اسْمِينَ

ووْعَرْمِنْ شِ مَلڤاكْ          واشْوينَ وادْخيْـنَ

وارْويصكْ مَشَّكْـرَدْ           حَــدُّ لَكْ لُوذَيـْـنَ

وافَّيْمَكْ كـلْ ابْـلــــدْ           مَنُّ فيهْ اسْنيـنَ

مغامرات الوصال

مهما يكن تبقى المرأة المحبوبة في البيئتين: - الجاهلية والحسانية- جديرة بأن يُغامَر في سبيل وصالها ،كلما اشتدت صيانتها ومراقبتها وتعذر لقاؤها وفى ضوء هذا نلاحظ أن امرأ القيس شاعر الجاهلية المتهتك  تنتهي مغامراته دائما بالظفر ، بينما مغامرات الشاعر الحساني المحتشم في الغالب تنهي بالفشل ، يقول امرؤ القيس :

وبيضة خدر لايرام خباؤهـــــا            تمتعت من لهو بها غـير معجــل

تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا          علي  حراصا لو يشرون مقتـلـــي

فقالت: يمين الله مـا لك حيلـــة             وما إن أرى عنك الغواية تنجــلي

فقمت بها أ مشـى تجر وراءنا            على إثرنا أذيال مـرط مـرحـــــل

أما الشاعر الحساني ول تارمْبَهْ  ، فيصف محاولته الفاشلة قائلا :

البارحْ يا الجــوَّادْ                 ڤيَّمتْ أغْلَ لَغْيـــادْ

فابْلدْ ماهُ معْتـــادْ                   يخلعْ بيهْ اتلاحيڤْ

فيهْ الناسْ الرڤَّادْ                   مَسْتَحْرَفْ بيهْ الظيڤْ

ؤُمَسُّ عَنِّ تڤلابْ                  مَنْ فمْ اوڤمتْ ارْڤيڤْ

ؤُبَتْ انْعاوِ لكْلابْ               ؤُبَتء انْعاوِ لعْتيڤْ

وإذا كان هذا الشاعر يرجع أسباب فشله إلى ظروف طبيعية، تتمثل في ازدحام المكان بالنا ئمين فيه ، فإن شاعرا آخر يششارك هذا في فشل مغامرة اللقاء بالمحبوبة ، ولكنه يرجع ذلك إلى أسباب دينية، ترتبط بتيقظ أبويها القائمين الليل عبادة ، بالإضافة إلى كلبهما اليقظ  الباسط ذراعيه بالوصيد في حراسته الليلية ،حيث يقول:

إلينْ انْجيكْ إلْ يَحْصَلِّ        نلحڤْ كَهْلَ فمْ اتْصَلِّ

ؤُنلحڤْ كَهلْ إلْهَ مَتْوَلِّ         وإڤولْ إلْهَ :ذَ مَنْ هُوَّ؟

وڤومْ إلْهمْ كـلْب أمَّـــلِّ          وإڤولْ الْهمْ:هـوَّهــوَّ

هُوَّ منْ هُوَّ كــــاعْ إلِّ          هُــوَّ ولَّ مـاهُ هُـــوَّ؟ 

الوحدة الشعورية مع المطايا

هذه زاوية إنسانيةطريفة، حيث إنه ما دام الجَمَلُ هو الوسيلة الأساسيةلخوض مغامرات الوصل مع المحبوبة ، وخوض مغامرات الإنتجاع عبر فضاء الله الفسيح ، الذى تتوجه فيه بوصلة سكان الصحراء باتجاه مواقع الكلأ والماء أين ما كانا،إلى مالهما من مآرب أخرى- فإنه من المفروض أن تنسج العلاقة بين الجمل وبين الصحراوي خيوط الألفة والتفاهم عبر لغة شعورية مفهومة لدى كل منهما، حيث يقول الشاعر الجاهلي عبيد بن الأبرص:

وحنت قلوصى  بعد وهْنٍ وهاجها          مع الشوق ليلا بالحجاز وميضُ

فقلت لها: لاتضـجرى إن منــزلا           نأتنـــى به هنــد إلــي بغـــيـضُ

ويقول الراجز الجاهلي  حاديا :

دع المطايا تنسم الجنوبا           إنَّ لـــها لنــبأً غــريبــا

حنينها- وما اشتكت لغوبا-           يشهد أنْ قد فقـدتْ حبيبا

ما حملت  الافتىً  كئـيبا            يُسِرُّ مما أعلنتْ نصيبا

لو ترك الشوق لنا قلـوبا          اذنْ لآثرنا بهــن النــيبا

             إن الغريبَ يُسْعدُ الغريبا

وفى السياق نفسه يقول الشاعر الحسانى :

ظلْ الدلاَّلْ إرجْ مَلْ       مَنْ فكْدُ واسْتَحْنينُ

مقرونْ احْنينُ واجْملْ         كِيفُ مقرونْ احْنينُ

3-الأخلاق

وهي تمثل عند الشاعرين الجاهلي والحساني دستورا مستوحى من تراكم التجارب والتقاليد والشرائع معا، بحسب ما تمليه قساوة الصحراء، التى تتطلب قسطا كبيرا من الصبر والكرم والإيثار فى ظل شح الموارد ، وهذا ما تحض عليه:

ا-الوصايا :التى هي تعويذة الآباء للأبناء وميراثهم الرمزي ، ونبراسهم الوهاج الذى يضىء لهم دروب الحياة المدلهمة ، وفى هذا الصدد يقول طفيل الغنوي الشاعر الجاهلي المعروف:

فمالئْ كرام الناس وانم إلى العلا     ودعْ من غوى لايُجْدِيَّنْ لكَ طائرُهْ

ولا تكُ من أخْدان كُلِّ يَراعةٍ         خريعٍ كسقْبِ الباز جُوفٌ مَكاسرُهْ

وإياك والأمرَ الذى إنْ تراحبتْ        مَواردُهُ ضاقتْ عليكَ مَصادرُهْ

ولاتَمْنَعَنَّ الدهْرَ مَاءً عَمَرْتَهُ           وإنْ كان أوْلىَ الناس بالماءِ عامِرُهْ

وإن قيل قول سيء فى مقالة           فلا تك مولى قول سوء تبادره

وفى إطار هذه الوصايا المبنية على النهي والأمر، يقول الشاعر الحساني:

لااتقيسْ اجَّيَّدْ بالسيفء         ما ايقيسْ اجَّيَّدْ لعْنيفْ

ولا تعاملْ بالمتنْ اضعيفْ        ولا تْلَيَّنْ لَهْلْ العُظْمَ

ولا اتْمَيْرَدْ مِيرادْالصيْفْ        ولا تْزاحمْ عندْ الحَجْمَ

ولا اتعودْ اوكِيلْ اللَّيْتامْ             ولااتعودْ اعءليهمء خَصامْ

ولا ادِّيرْ افْراصكْ لَعْظامْ             ولا اتحوزْ أعْظامْ الردْمَ

ولا اتوَجَّهْ شوْركْ لَكْلامْ            كانْ كَمَّنْ حَدْ ابْكَلْمْ

بينْ يامسْ هوَّ واليومْ             باشء فيهْ اتفيقْ من النوْمْ

قُومْ كانكْ كَدَيْتْ اتْقومْ          لا تْخَلِّ ظَيْفَكْ يَظْمَ

ولا اتعودْ افْمالَكْ مَذْمومْ         ولا ادِّيرْ افْراصكْ فَظْمَ

وغير بعيد من هذاالسياق ، تعلن الحكمة عن نفسها على لسان زهير بن أبى سلمى:

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده     ولم يبق إلا صورة اللحم والدم

ومن يغترب يحسب عدوا صديقه            ومن لم يكرم نفسه لم يكرم

وهذا المعنى ذاته يتكرر عند الشاعر الحساني :

قلبْ امنادمْ هوَّ ساسُ        فهْلْ الدنْيَ هوَّ عَيْنيهْ

وَلِّ ما عَسْ اعْلَ راسُ    ما يَجْبَرْ حَدْ إعسْ اعْليهْ

ب- التمدح بالنحافة إيثارا بالطعام:

في ظل ظروف الصحراء ومواردها الشحيحة ، تسمو دساتير الأخلاق على النزعات الأنانية ، إشاعةً للإيثار وترسيخا للغيرية ، حتى يعود الواجدُ على الفاقد بفضول ما لديه، أو يقاسمه إياه، أو يؤثره به على نفسه ولو كان به خصاصة، وهنا لاغرابة أن نرى عروة الصعاليك في الجاهلية يرد على من عيَّره بنحافة الجسم:

وإني امرؤ عافى إنائي شِرْكة        وأنت امرؤ عافى إنائك واحدُ

أقسَّمُ جسمى فى جسوم كثيرة        وأحسو قراح الماء والماء باردُ

وإذا كان عروة بن الورد قد أبدع هنا إبداعا غير مسبوق، فى تفسير نحافة جسمه، بكونه يوزع شحمه ولحمه بين جسوم كثيرة، تشترك معه فى لقمة عيشه ، فإن الشاعر الحساني يفسر ضمور جسم ممدوحه ونحافته، بأن أذنه اغتصبت نصيب بطنه من العيش، حيث آثر أن يشبع مسامعه بغذاء الذكر الحسن، حتى تتضخم ذاته المعنوية، على حساب إشباع بطنه، الذى لايؤدي إلا إلى تضخمه البدني ، وهكذا يقول سيدي ولد هدار مادحا ابن المقداد:

ومْعَ ذَ مَنْ فعْلْ إعَلِّ        واسْتَطْفيلَ واتْفَكْريشَ

ظامرْ وامْشَنْكَرْ بيهْ الِّ     غَابَنْتُ وَذْنُ فِي العِيشَ                 

ج ـ المدح بما يشبه الذم:

وهو صيغة طريفة معروفة، يوضع فيها المدح فى مساق الذم،حين يُرَشَحُ ذهن المتلقى لذلك باستثناءٍ بعد المدح،يهيئه لسماع هجو منتظر،ثم يخلف الشاعر توقعه بكون المستثنَى ليس هجوا، وإنماهو مدح مستثنًى من المدح،.

وإذاكان هذا النمط لم يعرف فى الشعر الجاهلي إلا فى حدود البيت الواحد، مثل قول النابغة الذبيانى:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمْ            بهنَّ فلولٌ من قراع الكتائبِ

فإنَّ الشاعر الحساني  محمد بن هدار قدكتب فيه قصيدة كاملة،تنبنى على مفارقة مفادها الاستهلال بالمدح،ثم الاستطراد إلى تعيير الممدوح بأنه قدكذب عليه وغدر ،لأنه طلب منه مجردعِجْلٍ من البقر، ليتزود به في سفره،فلم يفعل ذلك،وإنماأرسل إليه بقرة كبيرة ومعها أكياس من التمر ، وهنا يتحول الهجو المقذع فجأة إلى مديح بديع بمجرد لمسة سحرية ، حيث يقول شاعرنا:

عَنَّكْ يَحَدْ امْقافِ تَلْ          لَحَّقْلِ لِمْحَمَّدْ لَمينْ

عَنُّ بَعْدْ اطْفلْ مَتْعَدَّلْ         غيرْالكَذبْ ألَّ ماهُ زَيْنء

لَحَّقْلُ عَنْ كَذْبَ حَمْرَ        أعْياتْ اتْخَصَّرْ وَلْ امْرَ

ؤُلَحَقْلُ عَنْ هَذِ غَدْرَ          وَنِّ مَا زينْ اعْليهْ امْنَيْنْ

نَكْفَرْلِ فَنْوَيْبَ صَفْرَ             بَافُوكْ انْدُورُوهْ الْ لَعْوِينْ

إقومْ ؤُيَرْسَلِّ بَقْرَ              فِيهَ عَكَّ وَلَّ ثَنْتَيْنَ

 

د-المدح بميراث الأخلاق بين الماضى والمستقبل

وذلك بجعل الممدوح معرقا فى الخصال الحميدة، التى يمتاحها من خلال معدن أثيل، يتجلى على مستويين :

- ميراثها من الماضى فى الحاضر:

وهنا يحاول الشاعر أن يجعل الممدوح فى أخلاقه الحميدة الراهنة مرآة عاكسة لأخلاق آله الأكرمين ، وفقا لمنطق: (من شابه أباه فما ظلم) ، وعلى ضوء ذلك يقول الشاعر الجاهلي:

وتعرف فيه من أبيه شمائلا        ومن خاله ومن يزيد ومن حجرْ

سماحة ذا وبرذا ووفاء ذا        ونائل ذا إذا صحا وإذا سكرْ

وهذا يطابقه قول الشاعر الحساني مادحاأحد أمراء أولاد رزك:

مارتْ عَنْ حسبكْ عادْإنهولْ      أومارتْ عنْ ما كيفكْ زَرْكانِ

فيكْ امَّمَ أوفيكْ إمْهلهلْ           أوفيكْ إمْهاد أفيكْ كانِ

-استشراف مجد الآباء فى مخايل الأبناء

وذلك يتجلى من خلال التنبؤ بالمستقبل المجيد للطفل، حسب ما توحي به مؤشرات سلوكه من وراثة لعراقة الآباء والأجداد، وهو ما كان يعبر عنه فى الأدب العربي القديم بترقيص الأطفال ،بينما يعبر عنه فى الشعر الحساني ب:(التماري) .

ومثاله من الشعر الجاهلي قول أم الفضل بنت الحارث الهلالية زوجة العباس بن عبد المطلب فى ترقيص ابنهما عبد الله :

ثكلت نفسي وثكلت بكري              إن لم يسد فِهْرًا وغيرَ فِهْرِ

بالحسب الوافي وبذل الوفْرِ                حتى يوارى في ضريح القبْرِ

ومثاله من الشعر الحساني قطعة يمارى بها أحد أمراء أولاد امبارك (خطر ولد امحمد):

خَطْري كانْ اعْلَ      وِكَاوَدْ في الْحَلَّ

ووْحَجْلبْ ووْبَتْلَ        ووْمَارَ ووْمَجَّدْ

كانتْ ذيكْ المَسْلَ     ؤُتَمَّتْ فهْلْ امْحَمَّدْ

4- الحروب

إن البيئة الشحيحة الموارد ،التى تعيش فيها هذه القبائل السائبة، تجعل الحروب حتمية لامناص منها ، ولكن قوانين الصحراء لاتتخلى –في الغالب- عن البعد الأخلاقى لهذه الصراعات والحروب، فالفروسية منظومة من القيم فيها البسالة والحفاظ على الكرامة ،والذود عن الحريم ، ومساماة الأقران فى ساحات النضال، وقد سجل الشِّعْرانِ:- الجاهلي والحساني- تقاطات فى نقاط متعددة ، تندرج تحت موضوع الحروب ، وذلك مثل :

الأناشيد الحربية

وهي  تشبه بلغة العصر الأناشيد الوطنية للدول ، وقد كانت سُنَّةً أصيلة، يقتضيها ترسيخ الشجاعة، وبث روح الحماسة فى وجدان أبناء القبيلة ، حفاظا على البقاء، وحرصا على الذكر الحسن، الذى تتوارثه الأجيال كابرا عن كابر، طبقا لمقتضيات التدافع والتنافس بين الناس،  الذين هما من السنن الكونية الأكثر حضورا فى بيئة الصحراء، يقول الشاعر الجاهلي عمروبن كلثوم:

نعمُّ أناسنا ونعفُّ عنـــــهمْ         ونحملُ عنـــهمُ ما حمَّــلونـــا

نطاعنُ ما تراخى الناس عنّـا     ونضربُ بالسيوف إذا غُشِينـا

بسُمْرٍ من قنا الخطيّ لُــــدْنٍ       ذوابلَ أوْ ببيضٍ يعْتلينــــــــــا

نشقُّ بها رؤوسَ القوم شقًّـــا      ونخترمُ الرقابَ فتختلينـــــا

ويقول الشاعر الحساني مخلدا النشيد القومي للقبيلة المذكورة هنا:

أولادْ جعفرْ بنْ داودْ       واخْبارنَ ما تُهــــاودْ

مَتْعلمينْ ابْتتْكـــــــاودْ        فخْيامْنَ كمْ منْ مَـــدَّ

طمَّاعْ ومْنينْ الْــداودْ        في الشرْ تَنْسَلْ العِـدَّ

إظلْ في الجَّوْ امْراودْ        لَحْديدء واحْدَجْ تَنْكَرْدَ

ؤُلا كَطْ حَدْ انَّ هـــــاودْ        مَا صدْ وجْهُ ما صَدَ

-     الثأر = الدين

إن طبيعة الحروب المفتوحة بين مجتمعات الصحراء السائبة، فى غياب أي سلطة مركزية، تقتضى سجالا بين النصر والهزيمة،مما يتولد عنه الثأر والثأر المضاد فى جدلية لا نهاية لها،حسب ما كان عليه الحال فى مجتمع الجاهلية، ومجتمع البيضان، قبيل ميلاد الدولة الحديثة ، وهذا ما جعل الثأر لدى المجتمعين يسمى "دَيْنًا"، إلزاما للأفراد والجماعات بالمطالبة به ، وعلى ضوء هذا يقول الشاعر الجاهلي زهير بن جناب الكلبي:

فدونكم ديونا فاطلبوهـا          وأوتارا ودونكم اللقاء

فإنا حيث لانخفى عليكم         ليوث حيث يحتضر اللواء

ويقول الشاعر الحساني سدوم ولد انجرتو، فى مدح امحمد شين ولد بكار ولد أعمر:

أهْلْ أعْمرْ ثمْرة قريشْ       ومْعاهمْ مقطوعْ الفَيْشْ

هُومْ ثَمَارينْ اجَّيْشْ            ؤُهُومَ خَلاَّصينْ الدَّيْنْ

ولاه اتمُّ فوقْ إدَوْعيشْ          منء ظَرْكْ إلَى يوم الدِّينْ

الروح الملحمي:

لقد دأبت الملاحم منذ عهد اليونان على أن تصور خصم البطل قويا باسلا، وتضخم من شأنه، حتى لايكون الإنتصار عليه مجرد انتصار على طواحين الهوى، كما هو الحال فى فروسية:(دون كيشوت) الإسباني ، وفى هذا الإطار يصف عنترة بن شداد قرنه الذى تحامته الأبطال فيقول :

ومدجج كره الكماة نزاله        لاممعن هربا ولامستسلم

جادت له كفى بعاجل طعنة    بمثقف صدق الكعوب مقوم

فشككت بالرمح الأصم ثيابه   ليس الكريم على القنا بمحرم

أما سدوم ولد انجرتو رائد الشعر الحساني فيصف خصم ممدوحه امحمد شين ولد بكار بقوله:

خالكْ فارسْ حاكمء تَرْبَعْ        فرْصُ فاعْجاجْ الخيلء اكْتَمْ

خَبَطْتُ قُمَانْ اعْلَ اوْسَعْ        واسْلَمء منهمْ واعْكَبْ يَنْهَمْ

إلينْ الْجاهْ الْ ما يَكْمَعْ            منْ ذي الفرسانْ ؤُطَيْرْ الْحَمْ

فيهْ الْقَ شاراتء الْمدفعْ            ووزَنْ بَلْ امْنينْ إتْحَزَّمْ

خَبْطُ تَرْكْ القَرْبوصْ أوُزَعْ       واكْفَلْ فَرْصُ حَنَّاهْ الدَّمْ.       

وفى نهاية هذا المطاف الممتع الطريف، أعتقد أن فجوة المفارقة الموهومة بين الشعرين: - الجاهلى والحساني- قد رُوِّضَتْ،  حتى تحولت إلى مقارنة ناجحة ومقنعة، وجدت أرضيتها الممهدة فى وحدة العرق النزاع بين الشاعرين، وتطابق البيئتين، وتشابه النشأتين ،ثم ارتكزت- من حيث المضامين-  على أربعة أركان راسخة فى وجدان الشاعرين، هى:

الأرض، والمرأة، والأخلاق، والحروب ،وهذه القواعد الأربع الأساسية - بما اندرج تحتها من نقاط - تعتبرثوابت مكينة ومتواشجة فى الحياتين الجاهلية و الحسانية معا

وعلى كل حال يبقى الموضوع مفتوحا، و مغريا بالكثير من الغوص، واعدا بمزيد من الدرر الثمينة، لمن تجشم عناء السباحة فى الأعماق، إلا أننا الآن بحاجة إلى أن نلتقط أنفاسنا، ريثما تتاح لنا فرصة المعاودة لاحقا باذن الله.

 

[1] - الطالب بوي لعتيك: شذرات من الأدب الحساني، مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث طبعة أولى 1999 الرباط. ص 09

[2]- نفس المصدر ص 18

[3]-  إبراهيم ولد مولود ولد داداه : مختارات شعرية من غنا البيظان    ص 02

[4]- سدوم ولد انجرت  ديوان الشعر الشعبي  المعهد الموريتاني للبحث العلمي 1996       ص29

_________________

[أصل الورقة مساهمة في ندوة دولية بالمغرب 2005،ونشرت في العدد الأول من مجلة "تعالوا" المحكمة،بجامعة  سرت2008]