لعبة الضمائر

أحد, 05/06/2018 - 16:35

أدي آدب

 

عندما أقترحتْ عليَّ الصفحةُ الثقافية في جريدة الوطن القطرية، سنة 2013م، زاوية بعنوان"ضمير متصل"،لَبَّيْتُ العَرْضَ مُغْتَبِطا، وأعْجِبْتُ بالعنوان الجميل،وبدأتِ الضمائرُ- مباشرة- تَتَرَاقَصُ في لُعْبَةِ اسْتِعْرَاضٍ أمامَ قَلمِي،حيث أمْعَنَت الضمائرُ الظاهرةُ في التظاهُر،وتمَادَت المُسْتَتِرَةُ في التَّوَاري،مُسْتَغِلَّةً - هنا وهناك- كلَّمَا تُوحِي به"جَدَلِيةُ الخَفَاءِ والتَّجَلِّي" من إغْرَاءٍ وتَشْويقٍ،وعَلَى إيقاعِ هذه الجَدَلِية ذاتِها تَبَارَتْ كُلٌّ منْ ضمائر الحَاضِر والغائِب،وتَفَاعَلَتْ ضمائرُ المُتَكَلِّم معَ ضمائر المُخاطَب،وبقدْرما تَحَزَّبَتْ ضمائرُ الجَماعة،تَعَصَّبَتْ لأنَانِيتِها ضمائرُ المُفْرَد،واحْتَدَم َالجَدَلُ حِينًا- والغَزَلُ حِينًا آخر- بيْنَ ضمائرِ المُذَكَّر،ونظائِرِها ضمائرِ المُؤَنَّث،ولَجَّتِ الضمائرُ المُنْفَصِلَةُ في التَّقاطُع، والتَّدَابُر، والتنافُر، وتَدَاعَتِ الضمائرُ المُتَّصِلَةُ إلَى التَّشَبُّثِ بِعُرَى التواصُل،والتآزُر، والتكامُل،لكنَّ أتْعَسَ حَلقاتِ هذا المَشْهَد الاسْتِعْرَاضِي لِسُلاَلَةِ الضمائر،كانَ يَتَمَثَّلُ في المَأتَمِ المُتَفَجِّعِ، الذي أقَامَتْهُ بَقِيةُ الضمائر الحَيَّةِ،على أخَوَاتِها الضمائر المَيِّتَةِ،نَادِبَةً حَظَّهَا التَّعِسَ في هذا الزَّمَن الرَّديئ، حيث أصْبحتْ مَنْظومَتُه الأخْلاقِيةُ التافِهَةُ السَّائدَةُ تُهَدِّدُها بالانْقِرَاضِ، بَعْدَمَا اسْتَحَرَّ المَوْتُ فِي أغْلَبِ الضمائر، وبَقِيتْ حَتَّى أشْبَاحُ مَوْتَاهَا، مُهَيْمِنَةً عَلى أرْوَاحِ أحْيائها،في اخْتِلالٍ غريبٍ لِتَوَازُنات الحَيَاة، يُنْذِرُ بانْهِيارِ نَوامِيسِ الكَوْن.

وأمَامَ هذه التَّدَاعيات أوْجَسَ قَلَمِي خِيفَةً منَ التَّوَغُلِ فِي هَذِهِ الزَّاوِية المُقْتَرَحَةِ عَليْهِ أسْبوعيا، وشَعَرْتُ برعْشَتِه بيْن أصابعي،وأطْبَقَتْ غَيْمَةٌ منَ الحَيْرَةِ على أُفُقِ تَفْكيري بُرْهَةً، وانْزَرَعَتْ مَساحَةُ الكِتَابَةِ بالتَّساؤُلاتِ عنْ مَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ أمامَ لُعْبَةِ الضَّمَائِرِ هذه، منْ أجْلِ التَّحَكُّمِ في مُتَنَاقِضَاتِها، وتَسْيِيرِ فَصَائلِها المُتَعَدِّدَةِ والمُتَجَاذِبَةِ؟؟!

لَكِنَّنِي سرْعانَ ما أدْرَكْتُ أنَّ لُعْبَةَ التَّنَاقُضِ هي لُعْبَةُ الوُجُودِ نَفْسِه،وأنَّ الضمائرَ مَاهِي إلاَّ مَرَايَا لِذَوَاتِ الوُجُودِ سَلْبًا وإيجابا،ومِنْ هُنَا يَكُونُ دَوْرِي في هَذه الزاوية، هو النُّزُوعُ لِتَحْويلِ تَنَاقُضَاتِها السَّلْبِية إلى تَوَازُنَاتٍ إيجابية،فالظاهِرُ والبَاطِنُ، والحَاضِرُ والغَائِبُ،والمُتَكَلِّمُ والمُخَاطَبُ،والمُفْرَدُ والجَمْعُ، والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، والمُتَّصِلُ والمُنْفَصِلُ،والحَيُّ والمَيِّتُ، كُلٌّ منهما يُمَثِّلُ وَجْهَيْنِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَة،هي عُمْلَةُ الحَيَاةِ ذاتها،فالمُفْرَدُ يَجِبُ أنْ يَتَنَامَي تَدَرُّجًا ،إلَى الثُّنائية، إلى الجَمْع،وإلاَّ تَحَوَّلَتْ فَرْدَانِيتُه إلى عُقْمٍ،يَؤُولُ به – حَتْمًا- إلى التَّلاَشِي و الانْقِرَاض، والباطِنُ لايُعْرَفُ - حقيقة- إلاَّ فِي مِرْآةِ الظاهِر،والحَاضِرُ والغائبُ يَتَنَاوَبَانِ موْقِعَيْهِمَا،فالغائبُ يُمْكِنَ أنْ يَحْضُرَ، والحاضرُ لا بُدَّ أنْ يَغِيبَ، والمُتَكَلِّمُ والمُخَاطَبُ يَتَبَادَلانِ وَظِيفَتَيْ الإرْسال والتَّلَقِّي في التَّدَاوُل اللُّغَوي،والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ نِصْفَا نَوَاةِ هذه الحَيَاة، واسْتِقلالُ بعْضِهِمَا – مُطْلَقًا- عنْ بَعْضٍ،يُسَاوِي الفَنَاءَ الحَتْمِي،كما أنَّ جَدَلَ الاتِّصَالِ والانْفِصَال،هو سِرُّ إيقاع ذَرَّاتِ الكَوْن،السَّابِحَة في مَدَارَاتِها المُتَسَاوِقَةِ عَبْرَ نَوَامِيس نُظُمِها العَجِيبَة،مُنْذُ عَمَلِيَّتَيْ الرَّتْقِ والفَتْقِ، فِي النَّشْأةِ الأوُلَى،وَرَبُّنَا- جَلَّتْ قُدْرَتُه- يُخْرِجُ الحَيِّ منَ المَيِّتِ،ويُخْرِجُ المَيِّتَ منَ الحَيِّ.

وهكذا يَتَجَلَّى أنَّ اللُّغَةَ العَرَبِية- في ثَرَائِها المُعْجَمِي،وغِنَاهَا الدَّلالِي- قدْ مَنَحَتْ كُلَّ عُنْصُرٍ مِنْ هَذهِ الازْدِوَاجَاتِ الوُجُودِية مُصْطَلَحًا لِضَمِيرِهِ الذي يُعَبِّرُعَنْهُ،اسْتِكْنَاهًا مِنْهَا لأسْرَارِ الكَوْن، وسَعْيًا لِتَطْويقِ ظَوَاهِرهِ المُتَشَاكِسَةِ في بنْيَتِها السَّطْحية،والمُتَنَاغِمَةِ في بنْيَتِها العَمِيقَة.

ومن هنا نَسْتَخْلِصُ – في المُحَصّلَةِ النِّهائية-أنَّ "الضَّميرَ المُتَّصِلَ" هو سَيِّدُ هذه الضمَائِر المُتَعَدِّدَة،لأنَّ مَعْنَى الاتصال فِيهِ يَخْتَزِلُ المَعَانِي العَمِيقة،والوَظائفَ الحَيَوِيةَ لِكُلِّ الضمائر،فهو يُجَسِّدُ الوَصْلَ بيْن أطْرافِها المُتناقضة،والاتصالُ- بهذا المَعْنَى- يُسَاوِي الازْدِوَاجَ الذي هو سِرُّالحَيَاة،نَقِيضًا للأُحَادية التي تُسَاوِي الفَنَاءَ،إنَّهُ إذَنْ ضَمِيرُ الضمائر يُحْييها باتِّصالِه، بَعْدَمَا كانَتْ مَيِّتَة بانْفِصالها، حيث يَصِلُ بيْنَ الظاهِر والمُسْتَتِر، بيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ،بَيْنَ المُتَكَلِّم والمُخاطَبِ،بيْنَ المُفْرَدِ والجَمَاعَة،بيْن الحاضر والغائب....عبْرَهذه الزاوية التي تَطْمَحُ أنْ تكون همزة وصل بين كل الضمائر .