يوميات مهاجر موريتاني غير شرعي... (9)

سبت, 01/17/2026 - 21:11

محمد محمود مولاي الزين

 

من آخر ليلة في الغابة إلى بوابة بنما

استيقظتُ في ذلك الصباح

ولم يكن عندي شيء…

لا طعام،

ولا حتى خيمة أختبئ فيها.

كنت قد فقدت خيمتي في الطريق.

سقطت مني في إحدى محطات الهروب،

ولم أستطع العودة لالتقاطها.

وفي آخر ليلة داخل الغابة

نمتُ على التراب،

قريبًا من نهر بارد،

أحتضن حقيبتي الصغيرة كأنها طفل.

الجوع كان ينهشني،

والبرد يزحف إلى عظامي،

لكن النوم أخذني غصبًا،

نوم من يسلّم نفسه للقدر.

مع الفجر،

نهضتُ جسدًا بلا طاقة.

شربت قليلاً من الماء،

وربطت حذائي،

ومشيت.

تسع ساعات من المشي،

وأنا شبه فارغ من كل شيء:

من الطعام،

ومن القوة،

ومن الأمل أحيانًا.

كل خطوة كانت معركة.

كل نفس كان وجعًا.

وفجأة…

صوت محرّك.

ليس صوت خطر…

بل صوت حياة.

توقفت.

رفعت رأسي.

واخترق سكون الغابة هدير آلة تشق الأشجار.

ثم رأيتها.

لافتة خشبية صغيرة

مكتوب عليها:

“مرحبًا بكم في بنما ”

في تلك اللحظة

انفجرت بالبكاء.

لم أبكِ مثل رجل،

بكيت مثل طفل عاد من الموت.

سقطتُ على ركبتيّ،

سجدتُ لله على الطين،

وجبهتي ملوّثة بالتراب،

وقلبي مبلّل بالشكر.

كأن السماء فُتحت لي وحدي.

من حولي

كان الناس يصرخون،

يرقصون،

يضحكون،

يبكون…

كنا نحتفل بالحياة.

مشينا ساعة كاملة ونحن نضحك بلا سبب،

حتى وصلنا إلى محطة تُدعى “تنا”.

هناك…

دخلت مطعمًا صغيرًا.

طلبت دجاجًا مشويًا،

وعلبة كوكاكولا باردة.

عندما وضعت اللقمة الأولى في فمي

أغمضت عينيّ.

لم يكن طعامًا…

كان كرامة.

كان عودة للإنسان الذي كدت أفقده في الغابة.

بعد ذلك

ركبنا زورقًا صغيرًا.

المطر يهطل،

المحرّك يهدر،

والماء يصفع جوانب القارب.

أربع ساعات من العبور

حتى وصلنا إلى منطقة البحر والحدود.

هناك

كان رجال الشرطة الدولية ينتظرون.

أخذوا جواز سفري.

فتشوا حقيبتي.

وجدوا سكيني الصغيرة

التي كنت أستعملها للأكل.

صادروها.

لم أعترض.

كنت قد عبرت ما هو أخطر من السكاكين.

سألوني عن اسمي،

بلدي،

طريقي.

ثم

فتحوا لنا بوابة أخرى…

دخلت مركزًا تابعًا للأمم المتحدة.

هناك

غسلت ملابسي في النهر،

استحممت،

لبست ثيابًا نظيفة.

ونمت.

لأول مرة منذ أسابيع

نمت دون خوف،

دون أصوات الغابة،

دون أن أحتضن حقيبتي كدرع.

ليلة بلا خيمة،

لكن أيضًا

ليلة بلا رعب.

كنت أحمد الله في كل دقيقة.

لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا:

أن الغابة انتهت…

لكن رحلة الروح

لم تنتهِ بعد.

لأن

ما بعد النجاة

كان امتحانًا آخر.