الأثواب الجديدة للعنصرية /  د. السيد ولد أباه

خميس, 06/18/2020 - 05:58

 

لنبادر بالقول إن حادثة موت الشاب الأسود «جورج فلويد» يوم 25 مايو الماضي على يد شرطي أميركي، ليست بالجديدة في الولايات المتحدة، وليست الإدارة الحالية مسؤولة عنها، حتى لو كانت الحادثة وظفت على نطاق واسع في الجدل السياسي الانتخابي الداخلي، قبل أن تصل أصداؤها جل أنحاء العالم.
ومع ذلك، لابد من استقصاء الزخم الهائل الذي ولّدته هذه الحادثة المأساوية، في بلد لا يزال يعاني من مخلفات ذاكرته الاستعبادية ومن حروبه الأهلية الدموية، رغم مرور عقود طويلة على إلغاء العبودية ونظام التمييز العنصري.
وإذا كان للحالة الأميركية خصوصياتها المعروفة، فإن موضوع المقاربة العنصرية في علاقته بسياسات الإقصاء والتمييز على أساس عرقي، ليس خاصاً بالولايات المتحدة التي عرفت إحدى الثورتين الكبيرتين المؤسستين للحداثة الليبرالية في الغرب، بالإضافة طبعاً إلى الثورة الفرنسية.
المفارقة الكبرى أن الثورتين اللتين بلورتا المنظومة الحقوقية الإنسانية، واستندتا إلى فكر الأنوار في أبعاده التحررية العقلانية، قد وضعتا الأسس التبريرية لأخطر نمطين من أنماط استغلال الإنسان، وهما: العبودية عابرة البحار، والظاهرة الاستعمارية.
صحيح أن العبودية في ذاتها ليست بالجديدة، وقد عرفتها شتى المجتمعات الإنسانية، لكن ما ميز العبودية الحديثة التي ارتبطت بالثورة الصناعية الأولى، هو نظام تبريرها «الشرعي» الذي أخرجها من منطق الاسترقاق التقليدي، القائم على حروب الغزو المتبادل بين القبائل والملل، إلى السجل الدلالي للحداثة والتنوير، من خلال مفاهيم الهوية والتاريخانية والعقلانية التي كانت مرجعية مكاسب التحرر السياسي والفكري والاجتماعي في الغرب.

الإنسان المسترق، من هذا المنظور، لا ينتمي لأفق الإنسانية الراشدة التي وصلت لمراحل التقدم العليا، وإنما هو كائن حي على شكل حيوان أو آلة، ومن هنا تبرير استغلال طاقته الجسدية، أو حمله بالقوة على التمدن والتحضر. ومن هنا ندرك أن فلاسفة الحداثة الكبار، من لوك إلى كانط وهيغل، برروا العبودية من منظور الأطروحات العنصرية البيولوجية التي سادت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بحيث أصبح لأول مرة في الفكر الإنساني، لخصائص اللون وميزات الشكل الطبيعي دلالات على مستوى التحضر، ونمط التموقع في حركة التاريخ.

صحيح أن نظام العبودية أُلغي في جل الدول الغربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (1865 في الولايات المتحدة)، لكن المقاربة العنصرية نفسها لم تخضع لمعارضة جذرية كافية، رغم الشعارات المرفوعة والقوانين المعتمدة.

لقد كشف علماء الأنتروبولوجيا، منذ بدايات القرن العشرين، زيف أطروحة «التمايز العرقي»، مبيّنين تداخل الأعراق والإثنيات وغياب «عرق نقي»، تفنيداً لأطروحة غوبينو الشهيرة حول التصنيف العرقي التراتبي الثلاثي (على أساس اللون)، إلا أن فكرة التمايز العنصري لا تزال تشكل الخلفية الأساسية لفكرة الهوية القومية، التي هي مقوم الحالة السياسية المدنية الحديثة.
في فرنسا، التي يطلَق عليها «بلاد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، ظلت مقولة العرق، المتجاوَزة علمياً، من المحددات المرجعية للدستور إلى نهاية 2018، وقد طالبت أصوات متزايدة بالرجوع إليها لحماية «الهوية الفرنسية الأصلية» (أي الإنسان الأبيض الكاثوليكي)، وقبل سنوات قليلة، فاجأ رئيسها ساركوزي الأفارقة بالقول في خطاب جامعي مفتوح «إن مأساة الإنسان الأفريقي تكمن في كونه لم يندمج بما فيه الكفاية في حركة التاريخ».

وإذا كان المعيار العرقي المرتبط باللون فقد - إلى حد بعيد- مكانته في الخطاب السياسي، فإن هذا المعيار تحول إلى الهويات الثقافية، بالنظر إليها، ككتل جامدة، خارج التاريخ، تفرض على الإنسان انتماءً مغلقاً لا يمكنه الانفصام عنه.
لقد لاحظ الفيلسوف الكاميروني «اشيل مبنبه»، في كتابه الهام «نقد العقل الزنجي»، أن فكرة «الزنوجة» التي هي التعبير التاريخي عن مقاربة التمييز العرقي، بدأت تكتسي دلالات جديدة غير مسبوقة، بعد صدور تشريعات قانونية مانعة لأشكال الإقصاء والاستغلال التقليدية. ومن أهم هذه الدلالات، تحويل الذاتية العرقية إلى ذاتية ثقافية، يتم التعامل معها بمنطق التمييز الصارم، ولو باسم حماية التنوع الثقافي، الذي هو الوجه الآخر للسيادة الثقافية الوهمية.

الخطأ الكبير في هذه المقاربة، هو وضع حواجز صلبة فاصلة بين الأمم باسم الهويات الثقافية، في حين أن الهوية نفسها، ليست أكثر من رصيد رمزي ومعنوي لدخول عالم الإنسانية المشترك والتحاور من داخله، ولا يمكن اعتبارها عبئاً معيقاً لحرية الانتماء والاختيار، التي هي الدلالة العميقة للتنوير الإنساني الراشد.

فما يجري الحديث عنه من صراع بين أصناف من الهويات المتعارضة، ليس أكثر من «صراع تصنيف» بلغة عالم الاجتماع «بيار بورديو»؛ أي أن استراتيجيات التعبئة والتعبير هي المحددة - في نهاية المطاف- في فرض الهويات المغلقة التي تتحول إلى جدران عازلة بين المجتمعات والأمم.
المطلوب هو الانتقال إلى فكرة «الأخوة الإنسانية» التي أعلنها بيان أبوظبي (في فبراير 2019)، باعتبارها التعبير عن قيم التضامن الإنساني، وإطار تجاوز منطق الهوية في دلالته العرقية الثقافية الضيقة.