
محمد محمود مولاي الزين
واصلنا المشي ستَّ ساعاتٍ كاملة، أقدامنا بالكاد تحملنا، حتى وصلنا إلى شلالٍ جميل، ماؤه بارد وصوته كأنه رحمة مؤقتة وسط الجحيم. جلسنا هناك نلتقط أنفاسنا، نغسل وجوهنا، ونحاول أن ننسى أين نحن… ولو لدقائق.
من ذلك المكان بالذات قيل لنا:
هنا تنتهي كولومبيا… وهنا تبدأ بنما
جملة قصيرة، لكنها كانت تعني الدخول رسميًا إلى المجهول.
في تلك النقطة، رأيت مشاهد لن أنساها ما حييت. مهاجرون من كل الجنسيات يرسلون رسائل صوتية لأهاليهم، أصوات مختنقة وكلمات سريعة، كأنها وداع غير معلن.
تذكّرتُ الوالدة… شغّلتُ هاتفي على عجل، وأرسلت لها رسالة قصيرة:
“أمي، أنا بخير، لا تقلقي، ادعي لي.”
لم أكن أعلم أن تلك الرسالة ستكون آخر رسالة تصلها مني.
بعدها سبعة أيام كاملة بلا اتصال، بلا صوت، بلا أثر.
بدأ الروتين القاسي:
نستيقظ السادسة صباحًا،
نمشي طوال اليوم،
ونخيم السابعة مساءً.
سبعة أيام متواصلة… جسد بلا راحة، وعقل بلا أمان.
في أحد الأيام كان أول الشر.
ضللنا الطريق.
فقدنا قائد المجموعة، وبقينا وحدنا في قلب الغابة. الصمت كان مخيفًا، كأن الأشجار تراقبنا.
ظهر رجل فجأة، قال إنه قائد مجموعة. لم يكن أمامنا خيار، فمشينا خلفه. لكن بعض الشباب الذين يفهمون الإسبانية انتبهوا لكلامه… كان يقودنا إلى مجموعة من اللصوص لسرقة أموالنا.
في لحظة حاسمة، تفرّقنا وهربنا بين الأشجار.
وفجأة…
أصوات أعيرة نارية
الخوف شلّ أجسادنا، لكننا واصلنا الركض بلا وعي.
بعد ساعة ونصف من المشي المتواصل، وصلنا منهكين إلى مجموعة أخرى، هذه المرة مع قائد حقيقي. تحدث معه صديقنا، وبعد تردد وافق أن نلتحق بهم. كان ذلك حظّنا الأخير.
بعد نحو ساعة، سمعنا صوتًا مرعبًا…
صوتًا يخترق الصدر قبل الأذن.
قال أحدهم: زهير… نمر.
لم يكن أي نمر.
كان تايغر أسود
خرج أمامنا فجأة.
ليس من رأى كمن سمع.
في تلك اللحظة قلت في نفسي: هذه النهاية.
اللص إن أمسكك قد يأخذ مالك ويتركك حيًا،
أما النمر…
فهو لا يريد مالك،
هو يريد روحك
تجمّدنا في أماكننا، أنفاسنا محبوسة، وقلوبنا تكاد تنفجر.
ثم، وكأنه شبح، اختفى بين الأشجار.
واصلنا السير في صمت مطبق.
بعد ساعات طويلة وصلنا إلى المخيم.
كنتُ منهكًا إلى درجة أنني لم أستطع حتى نصب خيمتي.
سقطتُ على الأرض، جسدي استسلم، لكن داخلي ما زال يقاتل.
تلك الليلة كانت آخر ليلة عرفتُ فيها الخوف الداخلي…
لأن ما كان قادمًا،
أقسى،
وأوجع،
وأخطر.
يتبع…
فالطريق لم يكن مجرد عبور،
بل امتحانًا للروح قبل الجسد








