
من كتاب "عاشق عين المعنى،" الذي سيصدر قريبا عن مؤسسة آفاق في مراكش، متضمنا 15مقالا نقديا عن "منجز ادي ولد آدب الشعري والفكري".
بقلم د. محمد محمود أحمد محجوب
أولا: توطئة:
دُعيت إلى التحدث في حفل أقامه "المنبر الثقافي الموريتاني" بالدوحة تكريما للشاعر والباحث الموريتاني الدكتور ادي ولد آدب، بعنوان "في ضوء المعنى". واقتُرح أن يكون موضوعُ الحديث تقديمَ ثلاثة من إصداراته الأخيرة، هي: "بناء القيم في الأمثال الحسانية: نقد للعقل البظاني" و"موريتانيا بلاد الاستثناءات: سؤال الفراغ.. استنطاق الصمت" و"في مرايا السؤال: تفاعلات نظرية الشعر الحار وغيرها من القضايا والرؤى". وفي السطور اللاحقة بعض مما ورد في الكلمة المذكورة عن الإصدارين الأولين فقط .
سننظر إلى الكتابين من ثلاث زوايا: زاوية العنوان، وزاوية الإهداء- وهما زاويتان ممهِّدتان- ثم زاوية المحتوى، وهي الزاوية الأساسيّة.
ثانيا: عتبات الدخول (العناوين والإهداءات):
1) العناوين:
للعنوان، في الكتابين، ثلاث خصائص:
- الخاصية الأولى: أنه ثنائي البناء؛ إذ يتألف من مستويين: الأوّل عنوان رئيسي، والثاني فرعي، يضيء العنوان الرئيس ويكمله، ولا يكاد يقل أهمية عنه.
- الخاصية الثانية: أنه يؤدي أهم وظيفتين من وظائف العنوان، هما: الوظيفة الإحالية، والوظيفة الإشهارية. الوظيفة الأولى تحيل على مضمون الكتاب إحالة موضوعية وفقا للعقد الضمني بين المؤلِّف والقارئ، والوظيفة الثانية: تلفت انتباه المتلقي وتستفزّه وتستثيره جرًّا له إلى عالَم الكتاب.
- الخاصية الثالثة- وهي خادمة للتي قبلها:- إحكام الصياغة انتقاء للألفاظ الدالة، وتوظيفا للأبعاد الاستعاريّة.
فعنوان الكتاب الأول "بناء القيم في الأمثال الحسانية: نقد للعقل البظاني" يُلحظ فيه توظيف المجاز "بناء القيم"، وقوّة المعنى الإيحائي، وتجاوز الوصف والتحليل المدلول عليه بعبارة "بناء القيم..."، إلى النقد. وليس النقد المعتاد وإنما نقد العقل. فالموضوع يبدو مغريا لتوجُّه النقد إلى الهرم المنتِج للبنية الثقافية، وإلى منتوج ثقافي مشترك بين فئات المجتمع وطبقاته كافة (الأمثال).
وبإنعام النظر في عنوان الكتاب الثاني "موريتانيا بلاد الاستثناءات: سؤال الفراغ.. استنطاق الصمت" نجد الاستفزاز "الذكي" ماثلا في العنوان الرئيس؛ إذ كيف يكون وطن بأكمله وجهة للخروج عن القاعدة؟ إن في مجرد التلويح بذلك الأمر- فضلا عن التصريح به- دعوة ضمنية للقارئ للتثبت من صحة هذا الحكم؛ فيجد نفسه أسير مضمون قضية كبرى يختزلها العنوان ويغري بالمضي في قراءة الكتاب المعنون بها.
ويأتي العنوان الفرعي للكتاب "سؤال الفراغ.. استنطاق الصمت" ليعمق صدمة القارئ بما فيه من تجسيم وتشخيص، وما يوحي به من وعورة في المسلك، وشح في المعلومات، وجهد حريٍّ بأن يبذل.
2) الإهداءات:
يمكننا أن نحكم، مطمئنين إلى حكمنا، أن جل الإهداءات التي تتصدّر كتب المؤلف غير تقليدية. لنقرأ النموذجين الذين يمثلان مجال اهتمامنا الآن، ثم نتلمس، معا، أوجه الجدة فيهما:
م عنوان الكتاب الإهداء
1 بناء القيم في الأمثال الحسانية:
نقد للعقل البظاني إهداء
إلى كل الناطقين باللهجة الحسانية
أهديني.. وأهديكم إليكم عبر كتاب
"يَنْطِقُ عَلَيْكُم بِالحَقِّ"، وكأنّ ضميرَه الجماعيّ يتلو عليكم:
{إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}
مستطردا:
{وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالمُونَ}
2 موريتانيا
بلاد الاستثناءات:
سؤال الفراغ.. استنطاق الصمت إهداء
إلى المتواري
من هوية بلادي
خلف "أدوات الاستثناء"
لقد قرأت في "سِيبَوَيْهِيَّاتِ "أعربْ وطنَك" أن حمكك "الترحيل"
مما بعد.. إلى ما قبل،
ليكون "المستثنى" هو "المستثنى منه"
إلى الفراغات المتصحرة
في مجابات البحث السائبة
أخبرني الصمت أن صفحاتك البيضاء
يستسقي ظمؤها زخات من
"علامات الاستفهام والتعجب"
فهل انشق الرمل عن كتابك الذي لم يكتب؟
في الإهداء الأول نلمح أولا أن المؤلف قد ربط بين نفسه وكتابه والمتلقي برباط عضوي لا يقبل الانفكاك "أهديني.. وأهديكم إليكم".
ونلمح ثانيا أن الكتاب مع أنه يتناول- افتراضا- قضية في الثقافة المحلية الموريتانية (الأمثال الحسانية) فإن المؤلف كان ذا وعي بأن الحسانية تتجاوز المجال الترابي الموريتاني ولذلك جاء الإهداء (إلى كل الناطقين بالحسانية).
ونلمح ثالثا أنه قد أحال على محتوى الكتاب (الأمثال)، والدور التحليلي والنقدي للمؤلف (إنا كنا...) وما تمثله الأمثال من انعكاس لثقافة المجتمع (نستنسخ)، واكتناز الأمثال بالمعلومات التي لا يفك شفرتها إلا المتمرسون في العلم (وما يعقلها...). هذا فوق ما يمثّله التناص مع بعض آي الذكر الحكيم من تأثير في وعي المتلقّي.
وفي الإهداء الثاني، نجد استثمارا بنيويا ودلاليا للعنوان (الاستثناء) وُظفت فيه الإحالات المحلية والتراثية، النحوية والجغرافية، أعلاما وعلوما وفضاءات مكانية وزمانية. وقد برز المؤلف- رغم التحديات التي يعكسها سؤال الفراغ واستنطاق الصمت- باحثا منقبا عن المعرفة، ينشد الاهتداء الثقافي- ويبشر به- في صحراء خالية من الصوى العلمية في موضوع الكتاب تحديدا.
ثالثا: المحتوى
يتقاطع الكتابان- على ما بينهما من تمايز جليٍّ- في الموضوع العام، وهو النقد الثقافي، ذلك الجانب من النقد الذي يعدّ وسيلة لفهم المجتمع، وأداة تكشف ما يخفيه من تناقضات مفكّكا الخطابات التي تعيد إنتاج الهيمنة، ومظهرا المسكوت عنه والممنوع في البنية الثقافية.
1) كتاب "بناء القيم في الأمثال الحسانية":
يقع الكتاب في أربعة فصول، لها توطئة وخاتمة. حدد المؤلف في التوطئة دلالة أهم المفردات المكونة لعنوان كتابه، فعرَّف المَثَلَ، مبيِّنا خطره المعرفي والاجتماعي، ومفرِّقا بينه وبين الحكمة، كما عرَّف مفهوم "الحسانية"- وَصْفًا للامثال- مبينا سر اختيار هذا اللفظ من بين ألفاظ أخرى تقاربه، أو تتقاطع معه، مثل: "الشعبية" و"العامة" و"الدارجة"، مؤكدا أن الكتاب نقد للعقل البظاني "في ذهنيته الشعبية العامة المُعَبَّرِ عنها بالأمثال الحسانية".
تضمن الفصل الأول- وعنوانه: (بنية المجتمع بين التوحد والتفرد)- اثني عشر عنوانا تصدرها عنوان "الوحدة". وفيه أورد المؤلف أن المجتمع وظف الأمثال من أجل توحده؛ فهو يستصغر كل أمر في سبيل التوحد حتى الهلاك إن كان ضمن جماعة: (الموت في عَشْرَه انْزاهَة)! ويعلق على ذلك بالقول: "ولك أن تعجب من جعل الموت نزهة!".
ويمضي المؤلف في استعراض الأمثال الواردة في العناوين الأخرى التي تشمل: الزواج، وضروب القرابة، والتعاون والتكافل... خاتما الفصل بمعالجة لطيفة للبنية الطبقية للمجتمع في الأمثال الحسانية.
احتوى الفصل الثاني (الأمثال الحسانية مدرسة الجميع) على تسعة عناوين شملت "أخذ الصغير عن الكبير"، و"عمر التعلم بين الصغر والكبر" و"مخايل الذكاء المبكر في التعلم" و"التعلم بالمصاحبة" و"تقديس المعلم" إلخ. وفي هذا الفصل وصف المؤلف الأمثال بأنها مدرسة حياة مشاعة أمام الكل "دون تمييز طبقي".
وتألف الفصل الثالث (فلسفة الرحيل في الأمثال الحسانية) من تمهيد وستة عشر عنوانا منها: "فلسفة الترحل والإقامة" و"جدلية التوطن والانتجاع" و"الضيافة بين الترحيب والترهيب" و"توقع مفاجآت الخطر" و"فلسفة المجازفة بين الكر والفر" و"الماء بين الترحل والإقامة" إلخ. وفي هذا الفصل أوضح المؤلف أن علاقة فلسفة الرحيل بالأمثال الحسانية تجد مصداقيتها في كون الأمثال "هي ألصق أنماط الإنتاج الثقافي بنسق الحياة البدوية للرُّحَّل"؛ لذلك نجدها تنتصر للترحل: (الحي حارك، والميت بارك)، و(الراحه ألا اعل اظهورها"، ولكنه انتصار يقابله انتصار مواز للإقامة عند بعض القوم: (كاف من الشر يوم ارَّحيل) و(الرحال ما هم اعماره).
وتضمن الفصل الرابع: (الأمثال الحسانية مصنع القيم)- وهو الأخير- ستة وعشرين عنوانا جعلتْه أحفل الفصول وأوفاها. ومن نماذج العناوين الواردة فيه: "المسؤولية الاجتماعية" و"تهيئة المرأة للزواج بين الخَلْقِ والخُلُق" و"الكتمان والإعلان" و"النفاق والخداع" و"الصدق والكذب" و"الإحسان بين النكران والعرفان" و"الرأي والمشورة" و"تسيير المال بين الحاجب والكاسب" إلخ.
في هذا الفصل برهن المؤلف على المكانة التي تحتلها الأمثال لدى العامة من الرُّحّل الشناقطة؛ إذ تكاد سلطتها عليهم "تفوق حتى سلطة القرآن الكريم والقواعد الفقهية؛ حيث يتماهى عندهم خطاب الأمثال مع خطاب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم... تقديسا لهذه الأمثال نصا ومحتوى".
ومن لطيف ما ورد في الفصل الحديثُ عن ظاهرة (لبلوح) وما يتقاطع معها من مفاهيم في الثقافة العربية القديمة.
وتضمنت الخاتمة الصدع بأن الأمثال تبوأت مكانها مصدرا جديدا ومهما لكتابة التاريخ والقيم. وهو مصدر ثر وديمقراطي تستثمره الطبقات الاجتماعية كلها. وقد أضحت الأمثال، بهذه الدراسة، نسقا معبرا ودالَّا.
2) كتاب موريتانيا بلاد الاستثناءات
يتألف الكتاب من تقديم عام وثلاثة أبواب هي: (هوية موريتانيا الاستثنائية) و(تغرب التعرب) و(تغلب التأدب)؛ فالاستثناءات، إذن، منتظمة في ثلاث نواح، هي: الهوية، والتعرب، والتأدب.
تتضمن الأبواب الثلاثة أربعة عشر فصلا، ستة فصول في الباب الأول، وخمسة في الثاني، وثلاثة في الثالث.
أبرز المؤلف، في التقديم العام، بعض خصائص الذهنية الثقافية الموريتانية التي تغري بدراستها والبحث فيها، فهي ذهنية تتعرف بالمختلف أكثر مما تتعرف بالمؤتلف، وتقبل الإبداع والتجديد قبولها للاتباع والتقليد، ولا تنطبق عليها التعميمات التي ترسم، عادة، علاقة الأطراف بمراكزها الحضارية.
في الفصل الأول من الباب الأول- وعنوانه: (التسميات والألقاب.. الوفرة والطفرة)- يقرر المؤلف أن موريتانيا لا تُغالَب في كثرة الأسماء؛ فهي: شنقيط، وصحراء لمتونة، والبلاد السائبة، وبلاد الملثمين إلخ. ومع كثرة أسمائها يبقى الاسم الأشد لصوقا بها (بلاد الاستثناءات)!
يتحدث المؤلف عن المفارقة التي يمثلها التقابل بين الأسماء الكثيرة "الدالة"، التي أطلقت قديما على موريتانيا الحالية والألقاب "الضالة" الفارغة من الدلالة، التي يتداولها الموريتانيون في السياق الثقافي الموريتاني ويطلقها بعضهم على بعض، مثل: العلّامة، والأديب، والدكتور التي تطلق على من ليس له بها صلة. الضرب الأوّل من التسميات والألقاب يمثل انعكاسات لسياقات البلد التاريخية والاجتماعية والجغرافية، فهو "دالٌّ" ومعبِّر، والضرب الثاني بخلاف ذلك: "عبث بمنطق اللغة، ومنطق القيم، ومنطق الحياة"!
وفي الفصل الثاني من الباب نفسه (بنية المجتمع: التعدد والتوحد) يمهد المؤلف لما سيورده بأن المجتمع في صحرائه الشاسعة السائبة "ألهمته فطرته الاجتماعية أن يبني تشكيلة شرائحية" لبَّتْ كل واحدة منها حاجة وجودية لكن المشكلة فيها أن العلاقة المفترض فيها التكامل طبعها التفاضل والاستثنائية؛ " إذ لا تكاد تشبه إلا نفسها من حيث انبناؤها أفقيا على الثنائية القطبية التي تمثلها طبقتا الزوايا والعرب، وانبناؤها هرميا تحت رأسيها هذين".
شرّح المؤلف التشكيلة الاجتماعية موضحا وظيفة كل طبقة وموقعها في السلم الاجتماعي. وخلافا لما هو شائع في الأدبيات الموريتانية من ارتباط هذا التقسيم بحرب (شرببه) يرى المؤلف أن التقسيم أقدم من ذلك، منتقدا انتقادا شديدا الآليّة الجبريّة التي ظلت المهن تتوارث بها، مسجلا أنّ حدّيّة الطبقات "عندنا تحدّت كلّ النواميس والأعراف". ويفسر المؤلف تلك الحدية وذلك الثبات الطبقي العجيب بما سماها "الاستراتيجية النفسية التي تتبادلها طبقات هذا المجتمع بعضها ضد بعض محاولة من خلالها حصر كل طبقة في خانتها". وهو تفسير لا يخلو من بعض الوجاهة والعمق.
وفي الفصل الثالث (التدين والتمذهب) أشار المؤلف إلى مظاهر الاستثناءات الكثيرة في البيئة المدروسة، ومن أبرزها: الطريقة التي دخل بها الإسلام إلى البلد، والطريقة التي انتشر بها، وتوحيد دين التوحيد جميعَ السكان بنسبة 100 %، ووحدة المذهب العقدي (الأشعري)، والفقهي (المالكي)، والمقرأ القرآني (رواية ورش عن نافع).
ولأنّ التصوّف تفرق فيه القوم بين شاذلية وقادرية وتيجانية، وصفَه المؤلف بأنه "الاستثناء العجيب"؛ إذ كان استثناء من الاستثناء!
وفي الفصل الرابع (السياسة بين التسيب والتدول) تحدث المؤلف عن استثناء سياسي بارز سماه "نظام السيبة". ومقتضاه خلو البلاد، في تاريخها القديم، من حكم مركزي يوحدها، مقارنا بينه وبين ما أطلق عليه "سيبة النظام" في إشارة إلى التجارب المرتبطة بالدولة الحديثة، حاكما- وهذه مفارقة عجيبة- بأن نظام السيبة كان أحسن من سيبة النظام؛ إذ إن "التجربة السياسية الموريتانية الحديثة تتطور عكسيا وليس طرديا؛ إذ يكاد السابق منها- على علاته- يفضل اللاحق دائما"!
وفي الفصل الخامس (استقلال الاستغلال) أفاض المؤلف في الحديث عن شح الموارد الاقتصادية والتسيب السياسي للبلاد، راسما صورة قاتمة للمجتمع: "وما أصعب أن تجتمع الندرة الاقتصادية من جهة والسيبة السياسية من جهة أخرى على مجتمع بدوي طائفي هش البنية الاجتماعية، ضحل المعارف، غير عميق التدين بما يكفي، مترامي أطراف المساحة، غير حصين الحدود".
ومن لطيف ما جاء في هذا الفصل إيراد المؤلف "معجما اصطلاحيا عاميا" ضمّنه أغلب الأنماط التجارية الشائعة وأصّله. ومن نماذجه: (الجلابة) و(أمكطار) و(الرفقة) و(الكيمارة) و(الكيطانة) إلخ.
ومن أبرز الاستثناءات التي حفل بها هذا الفصل: اكتفاء المجتمع ذاتيا، ورقة ذوقه الجمالي، في تناقض صارخ مع الطبيعة الصحراوية البدوية الخشنة.
ويختم المؤلف الفصل بمقارنة المجتمع الموريتاني الحديث بالمجتمع الموريتاني التقليدي، فيبرز كيف أن الثروات تضاعفت، ولكنها لم تستغل، وما ترتب على الاستقلال الوطني قليل، واصلا إلى نتيجة مؤداها أن "موريتانيا ما تزال البلاد السائبة إلا أن السيبة القديمة قد تكون أفضل من السيبة الحديثة في مناح كثيرة"!
وفي الفصل السادس (الأخلاق.. التسيس والتكريس) يقرر المؤلف قاعدة من قواعد الاستثناء العامة تحكم أهل البلاد السائبة، هي "أن العادات ما تزال أكبر من التشريعات والقوانين". ومن العادات الاستثنائية العجيبة التي لا يكاد يصدقها القارئ العربي أن "المجتمع الموريتاني كان حتى عهد قريب لا ينزل في الفنادق داخل وطنه، ولا يأكل غالبا في المطاعم، ولم تكن توجد هناك مقاه؛ لأن البيت الموريتاني " خيمة مفتوحة تؤدي دور الفندق والمطعم والمقهى!
ومن مظاهر الاستثناءات العجيبة العادات والظواهر الاجتماعية المرتبطة بالمصاهرة، وبالزواج: زفافا وطلاقا... ومنها كذلك المكانة المتقدمة التي تتبوؤها المرأة الموريتانية سياسيا واجتماعيا، "ويكفي دليلا على ذلك أن عدد الوزيرات في موريتانيا عبر عمر الدولة القصير أكثر من عدد الوزيرات في أي دولة غربية"!
وفي الفصل السابع- والأخير- وعنوانه (التعلم بالتألم) أورد المؤلف استثناءات لعل أبرزها ولع أهل هذه البلاد بالعلم وتقديسهم الكتابَ، وعلو شأن الثقافة بينهم خلافا لما هو معهود، من أمية وجهل، بين الشعوب والقبائل البدوية.
وعلى نفس النسق المتحدث عنه في الباب الأول يسير المؤلف في البابين الثاني والثالث مبرزا ما يميز المجتمع الموريتاني من استثناءات في مجالي "التعرب" و"التأدب" كتعريب الأقليّةِ الأكثريّةَ، وكريادة موريتانيا نهضة الأدب، عند انحطاطه، على مستوى العالم العربي.
رابعا: خاتمة:
- يُعدّ كتاب (بناء القيم في الأمثال الحسانية) عملا فكريّا رائدا تتجلّى فيه الأبعاد التجريديّة والتصنيفيّة ومعالجة التناقضات التي تظهرها مدوّنة الأمثال، وقد تجاوز فيه مؤلفه الملاحظة والوصف إلى التفسير والنقد متجنبا الإسقاطات الخارجية باشتقاقه منهج الكتاب من طبيعة الموضوع المعالَج، فتجانس بذلك الإطارُ الدارسُ والموضوع المدروس.
ولئن كشفت الأمثال ازدواجية الخطاب المهيمن لطبقتي الزوايا والعرب فإن خطاب الأمثال نفسه انتصف- بحكم ديمقراطيته وتوظيفه من جميع طبقات المجتمع- للمهمشين.
وهكذا بوَّأَ الكتابُ الأمثالَ الحسانية المكانة اللائقة بها في السلم الثقافي الموريتاني بوصفها أحد أهم مصادر التاريخ والثقافة ودراسة المجتمع. هذا فضلا عن جهد الجمع والتوثيق الذي حفظها من الضياع.
- ويضارع كتابُ (موريتانيا بلاد الاستثناءات) سابقَه من حيث الريادة العلمية والفكرية، ويباينه من حيث تصحر المصادر والمراجع؛ وهو ما اضطُرَّ معه المؤلف إلى محاورة الفراغ واستنطاق الصمت. ورغم ذلك مضى- مع ما في ذلك من معاناة- في "رحلة استكشاف للخريطة الاستثنائية غير المرسومة لهذه البلاد". وقد انبنى على ذلك مركزية السؤال في كتابه إيذانا باستمرارية البحث وديمومته في المستقبل.
ومع أن المؤلف تواضعَ، فاعتبر أن "هذا البحث يفتقر لأساسات علمية أكثر صلابة وتناغما" فإن القارئ المنصف يسلك الكتاب ضمن الأعمال التأسيسية فكرة ومنهجا.
- وإذا أردنا أن نوحِّد الحكم على الكتابين ساغ لنا أن نقول إنهما يمثلان "التميز في البحث عن المعنى": فكرا وأدبا وتاريخا وثقافة.








