
في كتابها الأساسي «أن تكون حراً.. النضج في نهاية التاريخ»، تُقدِّم لنا الفيلسوفة الألبانية «ليا إبي» مقاربةً فكريةً معمّقة حول مفهوم الحرية، عبر شهادة ذاتية حيّة لفتاة عاشت في طفولتها العهدَ الشيوعي قبل الانتقال إلى النظام الليبرالي الذي أخفق، حسب رأيها، في تقديم بديل ناجع للاشتراكية الكليانية التي ثار عليها الشعب الألباني.
المهم في هذا الكتاب، وفي الأعمال اللاحقة للفيلسوفة الألبانية، هو المعالجة النظرية الثرية لفكرة الحرية التي قامت عليها حركية التنوير الأوروبي الحديث.
وكغيرها من الكُتَّاب الذين يعالجون فكرَ الأنوار، ترجع «إبي» إلى أعمال الفيلسوف الألماني الكبير ايمانويل كانط الذي كان أولَ مَن فكَّر فلسفياً في حركة التنوير من منظور حرية الذات واستخدام العقل الراشد خارج وصاية السلطات الثقافية والمجتمعية.
ومع أن كانط ربط الحريةَ بالقوانين الأخلاقية، أي بالقواعد الكونية الضابطة للسلوك الجماعي، بما يدخل في إطار ما سمّته «إبي» التصورَ «العلائقي» للحرية، إلا أنه ظل متشبثاً بفكرة الوعي الذاتي المستقل دون الانتباه إلى أن الفردَ ليس مكتفياً بذاته، بل مندمج في كيان اجتماعي واسع، هو الإطار الذي يحقق فيه حريتَه. ومن هنا فإن الحريةَ الفردية تظل مجردةً ومثاليةً في غياب مؤسسات اجتماعية تَكفل العدالةَ والإنصافَ بين أفراد المجموعة الوطنية.
لا شك في أن هذا الإشكال مطروح راهناً بقوة على الفكر العربي المعاصر، الذي شهد منذ تشكُّله في بداية القرن الماضي استقطاباً حاداً بين مثال الحرية الفردية، الذي دافع عنه التيار الليبرالي بقوة ومثال التحرر الاجتماعي بمقوماته السياسية والأيديولوجية الكثيفة المعروفة.
ويؤرخ المفكر المغربي المعروف عبدالله العروي لهذا الاستقطاب في كتابيه «مفهوم الحرية» و«مفهوم الدولة»، الصادرين في بداية الثمانينيات، لكنه يهمل الجوانبَ النظرية المتعلقة بالجدل الفلسفي الراهن حول موضوع العدالة، الذي غيَّر نوعياً مسلكَ الحوار الدائر حول الحرية في جانبيها الأخلاقي والاجتماعي.
ما تضيفه نظريات العدالة بعد منعرج كتاب جون رولز الشهير، «نظرية العدالة» (الصادر عام 1971)، هو ضرورة التفكير في تحدي التفاوت الاجتماعي في سياق قانوني وسياسي يكفل المساواة في الحرية. السؤال يتجاوز بطبيعة الحال الصراعَ الأيديولوجي السابقَ بين النظامين الماركسي والليبرالي، لكونه يكشف من جهة عن ما تعانيه النظريةُ الليبرالية من تناقض جوهري بين منطلقاتها التحررية، وواقع الغبن والهيمنة الذي تفضي إليه، كما يكشف من جهة أخرى عن مأزق الحالة الاشتراكية التي تكرّس من خلال الاستبداد السياسي معادلةَ التفاوت الطبقي التي تَدَّعي مواجهتَها.
لا يتعلق الأمرُ بطبيعة النظام السياسي وخياراته الأيديولوجية، فقد تلاشت الحواجز والاختلافات بين الأنظمة السياسية، ولم تَعُد ثنائية اليمين واليسار ذات دلالة، ومن هنا أعاد الجدلُ في مسألة العدالة تَصوُّرَ موضوع الحرية في اتجاهات جديدة، من مظاهرها إشكاليةُ الاعتراف في أبعادها القانونية والقيمية والمجموعاتية، وإشكالية الهوية التي تخترق الاتجاهات السياسية التقليدية، والاستقطاب الجديد المعقّد بين ديناميكية الكونية وفكرة السيادة القومية.
لا يبدو أن الفكرَ العربي قد واكب هذه التحولات الفكرية العالمية، وبرهان هذا الحكم يكمن في أن سؤالَ الحرية لا يزال يُعالَج في أحد مسارين: النقاش الموروث من عصور الأنوار حول الحرية والوعي في علاقتهما بالمعتقدات الجماعية، والجدل الأيديولوجي حول منظومة الحقوق الفردية ومعايير المساواة الاجتماعية.
وخلال ما سمي «الربيع العربي»، انفجر هذا الجدل المضاعفُ في عدة ساحات عربية، ولعل جانباً أساسياً من فشل مشروع التغيير السياسي الذي حملته القوى الليبرالية (قبل اختطافه من الحركات المتشددة الراديكالية)، هو عدم معالجة اختلالات العدالة في المجتمعات العربية، واختزال المسألة الاجتماعية في الاعتبارات القانونية والنظم المؤسسية المجردة.
وفي تعليقه على أطروحة جون رولز، يقول الفيلسوف والاقتصادي الهندي «أمارتيا سن» إن النموذج الذي يقترحه رولز لا يصلُح إلا للمجتمعات الرأسمالية الصناعية الغربية، أما في غيرها من المجتمعات، كما هو الحال في بلدان الجنوب إجمالاً، فيجب طرْحُ تَحدي العدالة وفق القدرات والمؤهلات الفعلية المتوفرة للأفراد في الرهان الاجتماعي، لا الحقوق الصورية الضامنة للحقوق المتساوية خارج أي إطار موضوعي واقعي.
وخلاصة الأمر، هي ضرورة إعادة طرح مثال الحرية في الحقل الفكري العربي خارج الجدل التنويري الكلاسيكي حول الوعي والإرادة والحقوق المجردة، بحيث تكون شروط التحرر الفردي والاجتماعي هي هدف السياسات العمومية والنخب النهضوية القائدة.
*أكاديمي موريتاني









