خالتي دليلة

سبت, 07/04/2020 - 13:41

 

عبد الله امون

 

في شهر أغسطس من صيف 1994 وفي حي ابن خلدون بتونس العاصمة، كنت وزميلي دراسة نستأجر الطابق العلوي من بيت "خالتي دليلة" في حين تسكن الخالة وابنها الجزار محمد وابنته ذات الثماني سنوات في الطابق السفلي

كنت وأحد الزميلين من غير الممنوحين وإنما نعيش على تحويلات شهرية تصل من الأهل رغم صعوبة وصول الحوالات المالية وقتها

اجتاحت المجاعة الطلاب كما يحدث كل سنة في نفس الفترة بعد نفاد منحة أشهر الصيف التي غالبا ما لا يتم تسييرها بشكل معقلن

كانت تمر أيام وأيام وما توقد في بيت طلبة نار على غرار ما حكت أم المؤمنين عن بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أننا لم نكن نجد من الأسودين سوى الماء.

كنا قد أتينا على آخر قطوف العنب غير مكتمل النضوج التي تصل الشرفة الأمامية للبيت من أغصان الشجرة المغروسة في الأسفل دون أن نستأذن في ذلك طبعا معتمدين على ان الضرورة الملحة تسمح بسد الرمق من مال الغير

وصلنا إلى مرحلة حرجة حتمت التحرك للبحث عما يقيم الصلب فاتفقنا على أن أقصد الخالة دليلة باعتباري المتعامل معها منذ البداية وبحكم سلاقتي في اللهجة التونسية وقتها مقارنة بزميلي

نزلت الدرج بعيد المغرب أقدم رجلا وأؤخر اخرى، فتلك كانت على ما أذكر ثاني مرة سأطلب فيها الدين بعد موقعة صاحب الدكان، لكنها كانت مختلفة لكون الدائن امرأة ومن غير وطني فكان الحرج ثلاثي الأبعاد

خالتي دليلة امرأة في منتصف الستينات من العمر، قصيرة القامة تميل إلى البدانة، بيضاء كلون الثلج، تتمتع بوجه ذي ملامح مريحة، ذكرتني أول مرة رأيتها فيها بلون وملامج جدتي رحمها الله،

كانت تجلس في باحة الطابق الأرضي تحتسي كوب شاي وتشاهد التلفاز، وما إن لمحتني حتى قالت متفاجئة : "جابك ربي يا وليدي، كنت باش انعيطلك توَّا، فاتورة الكهرباء امتاعك وصلت، ماذ بيك تدفعها فيسا" (ربك أتى بك يا بني، كنت سأطلبك الأن، وصلت فاتورة الكهرباء الخاصة بك، وليتك تسددها بسرعة)

ما زلت أتذكر المبلغ، لقد كان سبعة عشر دينارا، قلت في نفسي (الزايد واعر) جئت لأستدين ما أسد به رمقي أنا وزميلي وها أنا أعود حاملا فاتورة مستحقة الدفع بشكل عاجل

في لحظة تلون وجهي بكل ألوان الطيف وتوقف عند اللون الأزرق، أخذت الفاتورة من يدها وقفلت راجعا دون كلمة، لكن عتمة الشفق على ما يبدو لم تفلح في حجب تلك الملامح عن خالتي دليلة التي بادرتني بالسؤال قائلة: اشبيك يا وليدي ؟ إن شاء الله لاباس؟ استدرت نحوها مستجمعا ما خلف الجهد من قوة وقلت: "والله يا خالتي احنا اشوية أمورنا تاعبة، حتى آن كنت جايك توا باش نطلب منك اتسلفني خمس دينارات حتى يفرجها ربي"

لكن خالتي دليلة لم ترد بكلمة، زاد حرجي بعد أن شعرت بأن طلبي لم يصادف أذنا سامعة رغم ما حمل صوتي من نبرة ضعف لم اتمكن حجبها، أحسست بشيئ غريب يجتاح جسمي وكانما ألاف الإبر غرزت فيه مرة واحدة،

أسفت على ماء وجهي الذي انسكب دون فائدة، واستدرت مرة أخرى وصعدت السلالم راجعا،

سالني أحد الزملاء قائلا: (ردها زينة) فرميته بفاتورة الكهرباء قائلا: علينا أن نتدبر أمر سداد فاتورة الكهرباء قبل أن يقطع، سرت همهمة من التعليقات قطعها صوت طرق على الباب

كنت ما أزال واقفا ففتحته فإذا بحفيدة الخالة دليلة واقفة فمدت إلي يدها الصغيرة قائلة: (خالتي دليلة تقولك دبر حالك بالعشرين دينار هاذ، وكان احتجت حاجة اتخبرها، واتقولك هاتي الفاتورة امتاع الكهرباء هي باش تدفعها حتى اتجيك فلوس)

أخذت العشرين وسلمت الفاتورة إلى الطفلة ومسحت بيدي على إحدى جديلتيها الذهبيتين قائلا : (قولى لخالتي دليلة عبد الله إقولك ربي إعيشك) إبتسمت الطفلة في سعادة وانصرفت.