"أيام زمان" و"مدام ميشيل" بمكناسة الزيتون... (أقصوصة ليحيى الشيخ)

ثلاثاء, 08/30/2022 - 19:55

يحيى الشيخ

شاعر وأكاديمي ومثقف مغربي معروف

 

الحادية عشرة ليلا، الجو حار في صيف هذا الغشت المتثاقل، تجنبت السفر نهارا، تفاديت القطار لأنه يقف في كل المحطات، لا يسمح فيه بالتدخين، وقد تصادفك نماذج ليلية هستيرية. ما زلت أتذكر الكلمات النابية لشابة ركبت من القنيطرة، طلبت من رجل أن يترك لها مقعده تضامنا مع أمثالها من النساء استجابة لفلسفة خطاب جلالة الملك ما قبل الأخير. رفض الامتثال، أشهر أمام عينيها تذكرته، واكتفى. أخذت تشتمه دون انقطاع، من القنيطرة إلى تازة، حوالي أربعمائة كيلومتر، شتما ما زال عالقا بذاكرتي، ذكرني بكلمات معجم طفولتي حين كانت لي قوة الردع والمبارزة والمنابزة بالألقاب، والعياذ بالله. ما زالت الكافرة تشتمه، وما زال المؤمن صامتا، لم يجبها طوال المسافة، قال لها من الشباك والقطار يستأنف رحلته الليلية إلى وجدة النائمة : " الله يلعن اللي ما يحشم!"

بحوالي كيلومتر ونصف من قرية "المهاية"، تعطلت السيارة الثانية التي استأجرتها من مدينة فاس إلى الرباط. فتح السائق مقدمتها، طلب مني أن أشغل مصباح هاتفي لينظر في امر محركها، ظلت أصابعه تتوه في كل اتجاه، كان شابا في الثلاثين، مثلي لا يفقه شيئا في ميكانيك السيارات، كان منهكا، ربما لم ينم منذ يومين، ربما لم يكن المالك، ربما يشتغل كثيرا لتسديد مصاريف الكراء وفاتورة البنزين، أما أنا فنسيت أمر السائق والسيارة، كنت أردد في نفسي قصيدة الجيلي العينية، توقفت عند قوله:

وإني كالآلات وهو محركي

أنا قلم والاقتدار أصابع

ما أجمل عقيدة القضاء والقدر في مثل هذه المواقف. انتبهت، قلت له بلغة المغاربة للتخفيف من حدة الاحباط "ما تمشي غير فين مشاك الله!" أعجبته فلسفتي، حاول جاهدا الحصول على إسعاف لسيارته، لم يستطع، انقطعت الحركة تماما لفترة على هذه الطريق الوطنية. قال:

- نسير إلى "المهاية"، نبيت عند بنت خالتى...

قلت :

- أما عند بنت الخالة، فلا. أبيت في الرباط إن شاء الله!

تذكرت العاصمة، بدت لي ونحن نتمشى، كما في الواقع؛ حقيبتي الثقيلة على ظهري، الكمبيوتر بيدي؛ بدت لي الرباط أجمل بكثير مما هي عليه. تمشينا مسافة كيلومتر ونصف، لم تتوقف سيارة، الناس ما زالوا يخافون من قطاع الطرق في مناطق الغرب. تذكرت الرباط، شالة، جلت بذاكرتي في حسان والأوداية، ثم استرحت بإحدى مقاهي أكدال، في شارع أطلس، احتسيت قهوة، نظرت في المارين، بنات الرباط جميلات، متزنات في مشيتهن، ربما يقصدن التميز عن نساء الشمال اللواتي يسرن كالبرق الخاطف، أو عن نساء الصحراء، تكاد الأرض تميد تحت أقدامهن.

وصلنا، قال لي السائق:

- نسيت أن آخذ عنك حقيبة!

قلت :

- نسيت أن أطلب ذلك منك! نعم، أنسى كثيرا من الأشياء المهمة عندما أكون في الرباط، أو عندما أفكر فيها وأنا في باريس. أصبح أخي يعرفني جيدا، عندما أقول له ونحن في باريس " نلتقي في شارع محمد الخامس" يعرف أن المقصود جادة الشانزيليزي، وعندما نتفق على قضاء سهرة السبت يالأوبرا، نقول " نلتقي في حسان!" أما " شاتلي"، بمحلاته التجارية الآهلة الكثيرة، فسميناه " باب الحد"، وإن كان أخي يفضل أن نسميه المدينة العتيقة، هذه المتشعبة بأحيائها المتداخلة : "البويبة"، "بوعقرون"، "السوق التحتي!"... كنت أتخيلني أتجول في الرباط، كما في الواقع، لم أحس قط بثقل حقائبي، كنت أتلذذ بالمشي وأشكر السائق الذي لا يعرف كيف يحافظ على سيارته، ولا كيف يصلحها، والمثل عندنا يقول:"حاول على حميرك تحج عليه"، أرهقها بالرحلات المتتالية من مولاي يعقوب إلى سيدي حرازم إلى سيدي شافي، لم تنفعها بركة الأولياء، يشفون المرضى وينسون الدواب وحاملات الناس!

زكمت أنفي رائحة الشواء، "المهاية أخيرا" شارع واحد وسيارات أجرة، لا قطار، لا محطات. سألت "كيف أسافر إلى الرباط"، تضاحك السائقون، قال كبيرهم الذي علمهم السياقة:

- الساعة الواحدة والنصف! ربما تصل إلى أقرب مدينة، مكناس، حوالي ثلاثين كيلومترا، سفر فردي (كورصا) بثلاثمائة درهم!

قلت :

- توكلنا على الله!

قال صغيرهم:

- هذا دوري!

سلموا له دون تحفظ،

قلت في نفسي : "لم لا مكناس؟ المدينة الإسماعيلية! فيها فنادق لا تعد ولا تحصى، ولي فيها أصدقاء...". فكرت في شخصياتها التي استضافها برنامجنا "منتدى الثقافة"، الشاعر محمد شنوف والأديب ريان (أبو الأذواق) وإدرس الزايدي والناقد عمر الكناوي، وغيرهم كثيرين. لكن كان في نيتي أن ألتقي بصديقي شيخ الطريقة العيساوية أو بغيره من مريدي ضريح الشيخ الكامل؛ كنت التقيت به قبل ثلاث سنوات، حضرت حلقة الذكر، قرأت مع جماعة المريدين "حزب الدايم ربي" كما في كل جمعة، تبركت بالجزولي صاحب دلائل الخيرات.

لم أتحدث مع صاحب التاكسي، كعادتي مع السائقين، لم يكن في نيتي أبدا تنبيههم إلى مخاطر الطريق وأنا أتحدث إليهم، لكن من طبيعتي الثرثرة، أجد دائما موضوعا للحديث؛ أنا كالفتيلة المبللة بالزيت، أشتعل أينما مستني النار. لكني لم أقل شيئا، كنت أعيش اللحظات التي أعيشها دائما بضريح الشيخ الكامل، أنتشي حين أضع شفتي على كأس الخمرة الأزلية وأنا أردد أناشيد السادة الصوفية، حضرني قول الجنيد:

سقوني وقالوا لا تغن ولو سقوا

جبال حنين ما سقوني لغنت

وأنشدت بدوري بعض ما كنت قد كتبت في الجاهلية، شعرا يليق بالمقام، ومثله اعتمده القوم في التعبير عما يربطهم بالحكمةالمتعالية، رددته و"الإسلام يجب ما قبله"، على سبيل الترميز والإشارة، حين خانتني العبارة:

لا توقظي الفجر فالعذال قد هجعوا

وضمدي قبلي كي يختفي الوجع

عيناك كأس وخمر الريق تشربني

وكم سكرت وما طابت لي الجرع

أشتاق في الحلم تمرا حين ينضج لي

أرى الذباب على الأطباق يجتمع

ميلاد أغنية أهديك أحرفها

فضمدي قبلي كي يختفي الوجع

يا رباط! انتظري يوما آخر... حبيبتي، أمامي ما هو أهم! أنا لا أقلل من كرامة أوليائك، ففيك السايح العارف بالله، ولكن لي قصة حب مع الهادي بنعيسى، سأردد "الحزب الدايم ربي" هذه المرة بصوتي العالي حتى يسمعني أهل "حمرية" وكل الواقفين أمام "ساحة الهديم" وحتى زوار "باب منصور" من الزائرين الأوروبيين.

كنت أركز التفكير في لقائي بالشيخ حتى لا تأخذني منه ذاكرتي التاريخية فأجدني في قصر "فيرساي" أيام "لويس الرابع عشر" وهو يحرر رسائله الملكية لاستعطاف المولى إسماعيل، شردت قليلا في لغز "سجن قارا" ووقفت عاريا أمام عظمة "السور الإسماعيلي"، ثم حزنت لتطاحن المتحاربين على العرش من أبناء السلطان الكثيرين، انبهرت أمام المولى محمد بن عبد الله، غير أنني رجعت سريعا، نبهني السائق إلى أننا ندخل مكناس.

قال:

- أين تريد أن تنزل؟

أجبت:

- أمهلني، أكلم الشيخ، هو لا ينام، يذكر الله كثيرا. قال لي مرارا :

- لا تتحرج، هاتفني في أي وقت تريد، أجيبك فورا.

كنت أقول في نفسي دائما :

- الشيخ، هو عين الله التي لا تنام!

أصر السائق على البقاء معي حتى أستقر على أمر. قلت :

- لا تحزن، إن الله معي، وبركة الشيخ. اذهب، فأنت الطليق!

ألح، عاتبته، ثم طردته. كم أشتاق إلى الوحدة حتى في أخطر المفاوز والمهالك، لا أهاب شيئا وأنا السالك في طريق الشيخ! ثم إن مكناس المدينة التي لا تنام، يستحيل أن تتمشى فيها ليلا ولا تصادف من يمشي على رجلين، أما الأربع فكثيرين، قططا وكلابا ضالة، تناضل نقاباتها الكثيرة عن حقها في التزاوج والتنقل في كل مدن المملكة.

أطفأت سيجارتي، استحييت، كلمت الشيخ، أجاب فعلا، كأننا كنا على موعد، قال:

- أنا في طنجة، لو كلمتني لكنت أجلت سفري، ولفوضت حلقة الذكر إلى مقدم الطريقة بتطوان! التحق بنا!

سقطت على الأرض من شدة الصدمة، لا أستطيع السفر إلى الشمال، تذكرة عودتي إلى فرنسا خلال يومين، من الرباط. أشتاق، كيف لي - في غياب الشيخ - أن أسمع بعض المديح في ليلك هذا يا مكناس؟

شكرته، دموع عيني تسيل، دعا لي، قال "ستسمع مديحا في ليلتك هذه بعون الله!"

كيف؟ قلت في نفسي.

لا أحب الفنادق، أعافها وتعافني، أخرج منها دائما مطرودا لأنني غالبا ما أستأجر الغرف بدون بطاقة هوية، ثم إنني أغادر بعد الوقت القانوني، أما الخادمات فيشتكين في كل مرة من تغييري لنظام أثات البيت، أضع السرير مكان الدولاب، والمكتب أمام النافذة. أجد مودة الاستقبال خاصة عند من لا يعرفني، ولكن قصصي مع أصحاب الفنادق جعلتني أصاب بالأرق في كل نزل، ومكناسة الزيتون لن تكون الاستثناء هذه الليلة!

تفحصت أرقام هاتفي وأنا تائه في مدخل المدينة، مكناسيون كثيرون هم أصدقائي، ولكن الوقت متأخر وهم ليسوا شيوخا، أكيد لن يردوا على رناتي. ثم ماذا أقول لهم، تعطلت السيارة قرب "المهاية"، أنا في مكناس، خذلني الشيخ، أريد أن أسافر إلى الرباط.

كان علي أن أسمع رأي أختي نعيمة، قالت" لا تسافر اليوم، لا أراك ستصل إلى الرباط في هذه الليلة!"

نعيمة مجذوبة، لا تخطئ أبدا، رؤيتها صادقة، والرؤية الصادقة "جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة". نعيمة لم تدخل المدرسة، وهي الآن فوق الخمسين. ماتت أمي، دخلنا الكتاب معا، قطعنا في اليوم الأول خمسة كيلومترات لنصل إلى حضرة الفقيه، كان الجو باردا في قريتنا معيريجة في ذلك اليوم، تصلها سموم ثلوج جبال الأطلس المحيطة بها. وصلنا متأخرين، انهال علي الفقيه بعصا، عشر ضربات متتاليات على كل يد، أردفها بنوافل، بكت أختي، أمرنا بالرجوع من حيث جئنا، قال " أراك غدا بدونها!". عدت وحدي ولم تعد نعيمة أبدا. حكم عليها الفقيه الجاهل بالأمية.

قالت نعيمة :

- أما الرباط اليوم فلا!

كان لها ذلك.

أخبرني الحيمر، أحد أصدقاء الطفولة، قبل يومين، أن فقيهنا المعلم اغتصب إحدى جاراتنا العازبات؛ كنت وقفت على الحادثة عيانا بحكم الجوار. لم أقل شيئا، كنت في الثامنة من عمري. كان السي التسولي، من تسول بالقرب من فاس، قبيلة العلماء والفقهاء، نادرة، فتح دكانا لبيع السجائر وطابا (الشمة والتنفيحة)، قامت القيامة في القرية، امتع الناس عن الصلاه وراءه، توسط المأمون فضربوه، أغلق دكانه، حمل سبحته وعصاه، رحل إلى الغرب، فتح مقهى وترك عباد الله بدون إمامة. كان صوته جميلا، كان وسيما، فيه شبه من يوسف إلا أنه لم ير قط برهان ربه!

خذلني الشيخ، هو في طنجة، وأنا بمكناس. فكرت في عتيقة، بنت مكناس أيضا، هي بها الآن، في عطلة، تعيش في فرنسا منذ ثلاثين سنة، هي مثل الشيخ لا تنام أبدا بالليل، ولليل معها حكايات عجيبة لا أحكيها لكم لأنني وعدتها بذلك. قلت "هذه تليق!"

شكلت رقمها، كأننا كنا على موعد، انهالت علي بوابل من الترحيب الصادق، تماما كترحيب الشيخ.

قالت: خذ تاكسي حالا!

قلت:

- الثالثة الآن، لا أزعجك، ربما أستلقي في مقهى، ثم الرباط غدا!"

أقسمت، تماما كما يفعل الشيخ، كلمة أولياء الله لا ترد!

قالت:

- خذ تاكسي صغير إلى "رونبوان مدام ميشيل"، قرب محطة البنزين "زيز"!

- حالا! قلت.

أوقفت طاكسي، وطاكسيات مكناس لا تنام ليلا كالشيخ وكعتيقة تماما. قلت: "رونبوان مدام ميشيل"، قرب محطة البنزين "زيز".

كان السائق في العشرين، نظر مستغربا، قال:

- "زيز" أعرفها، أما "مدام ميشيل" فلا.

قلت:

- إذن، "زيز"!

انطلق في شارع جميل لا ينتهي، شردت في عظمة المدينة، كنت أتأمل العابرات والعابرين من أهل الليل الذين لا ينامون كالشيخ وعتيقة، وأنا أخوهم في الرضاعة. الطريق في المدينة طويل، طويل كأغنيات أم كلثوم في زمن ناصر والسادات، كان ذلك قبل هزيمة العرب بسنتين، بعدها قصرت المدة، كذلك رحلتي من مدخل المدينة إلى "زيز"، خرجنا ثلاث مرات إلى شوارع فرعية، طويلة هي الأخرى كزمن الحجر، ثم وصلنا "زيز" أخيرا. نزلت، سألت القيم على البنزين عن "رونبوان مدام ميشيل"، كان في الستين، قال إنه في الطرف الآخر من المدينة، بالقرب من محطة زيز الثانية. قلت :

- السائق لا يعرفه!"

قال :

- الشباب لا يعرفونه بهذا الاسم، بل باسم " أيام زمان"!

قلت :

- أريد أن أجلس، من فضلك!

قدم لي كرسيا، جلست، سألت :

- ما القصة؟

قال:

- في مكناس حي باسم "لاتورين"، هو ما تبقي من فيلات الفرنسيس، كانت فيه حانة شهيرة يديرها معمر وزوجه ميشيل، هاجرا بعد الاستقلال، باسمهما عرف المكان. قبل عقود ثلاثة، أنشأ أحد تجار الريف مقهى سماه "أيام زمان"، كلاهما في "لاتورين"، على نفس الرصيف، تفصل بينهما محطة "زيز" هذه. الأفضل أن تطلب من السائق أن يوصلك إلى ثانوية الزيتون، الكل يعرفها، هي في "لاتورين"، مقابلة لحانة "مدام ميشيل" على يمين المحطة، ومقهى "أيام زمان" على يسارها. قل للسائق أن يميز بين مدرسة الزيتون في "لاتورين"وحي الزيتون، ذلك مكان آخر.

وصلت أخيرا إلى "رونبوان مدام ميشيل" أو " أيام زمان" بعد أن قطعت المسافة معكوسة، استقبلتني عتيقة استقبال الأمراء، فيلا عظيمة، طراز فرنسي رفيع، مسبح وحديقة فيها أصناف عدة من فواكه ما تنتجه التربة والشمس والذوق عندنا.

قالت :

- نخرج، بنت عمي تشتغل في ملهى!

قلت:

- كلمت شيخي قبل مهاتفتك، لا يجوز!

قالت:

- وعدتها أمس، لم أكن أعلم بقدومك!

ثم أردفت بلغة الناس في بلدنا:

- الضيف ما يتشرط، ومول الدار ما يفرط!

مشينا ربع ساعة إلى فندق الزاكي، يدها على كتفي، تجولت عيوني في لافتات المدينة: "ليسي ديكارت"، "ليسي جان جاك روسو"، "ليسي بول فاليري"، "ليسي كارنو...".

كانت عتيقة تقول أشياء كثيرة طوال الطريق، التقطت منها اسم قطي تيموطي، والمكتبة وقناة الجزيرة التي زارتني خلال الأزمة القطرية واختفت بعدها كالتضامن الخليجي، تهت في سياسات فرنسا، قلت في نفسي بلغتنا : " رونتها وكرفستها علينا فرنسا، في المغرب، في الجزائر، في تونس، في ليبيا... لماذا جبن أجدادنا وانهزموا شر هزيمة؟ ثلة قليلة من "الكفار" "خلات دار بو" كثير من "المسلمين!".

فندق وملهى الزاكي من أجمل ما خلق الإنسان على هذه الأرض، عمارة وتنسيقا وجمالا، قاعات ومسابح وملاهي، رقص وعربدة، " والجميلات هن الجميلات"، ربما هن اللواتي عناهن درويش في إحدى هلوساته، تصطدم الموسيقى بالموسيقى في قاعات عديدة، في كل منها موسيقى، يتباهى فيها النمط الغربي على الشرقي والشرقي على الغربي، ولكل فن عشاقه.

قالت عتيقة، بعد الفسحة في حديقة الفندق:

- الشرقي!

قلنا:

- الشرقي!

عازف الكمان يبدع هذه الليلة، ساحر يتبعه مردة من العازفين، كل سيد تخصصه، مغنية، لا تهاب الجمهور، على أنغام الشرق ترقص الجميلات، يتماوجن في لباس شفاف يفصلهن تفصيلا دقيقا كأنه مقص خياط قفاطين الأميرات؛ لم تكن عتيقة أضعف منهن، كانت قد أعدت العدة للنزال بين المتمرسات من بنات حواء.

قالت عتيقة:

- ترقص؟!

- متعب، قلت.

شردت، تمتمت "لو كنت التقيت بالشيخ هذه الليلة لكنت سمعت مديحا". ما أن أنهيت كلمتي حتى انطلق الجوق في أغنية :

أمحمد صاحب الشفاعة والنور الهادي

أمحمد بك كنشهد من بعد الله

صدق الشيخ، تنبأ لي أنني سأسمع مديحا في ليلتي هذه! يا لها من كرامة! ما أن انتهت الأغنية حتى انبرى صوت رفيع لأحد أعضاء الفرقة، يغني :

الحرم يا رسول الله

الحرم يا حبيب الله

الحرم جيت عندك قاصد

يا طه حبيب الله

فعلا، أبدع هذا الرجل، فعلا كما أبدع بن مساهل صاحب الكلمات، شاعر من غرب الجزائر، عاش بمكناس وبها كتبها. كان جميلا، هرب من باي وهران، عشقته امرأة الحاكم، رفض، لجأ إلى مكناسةالزيتون، احتضنته.

رقص الحاضرون على إيقاع الأغنيتين، انتشوا، ازداد إقبالهم على الخمر، طلبوا المزيد، لم يساوموا ثمن القنينات، سعر الواحدة ألفان وسبعمائة وخمسين درهما، حوالي مائتين وسبعين يورو، أغلى من خمر الشانزيليزيه، مخلفات سياسة بنكيران؛ كان على هذا الحزب الإسلامي أن يكون رفيقا بالمؤمنين. تذكرت، كنت طالبا بوجدة، قبض على شخص متلبسا بتهمة. كتب الضابط: "بيع الخمر للمسلمين بدون رخصة"، ضحكت، ثم استغفرت.

كان رواد زاكي هذا الليل، كلهم في حالة سكر، كنت في حالة سكر روحية، مع احترام الأمكنة، لكل مكان قداسته.

بعدهما، عاد مغنو الجاهلية إلى الراي، غنوا لواحد من شباب وهران:

"واش أنا نبات وحدي وجارتنا مطلقة؟".

ثم غنوا:

" واسالبة سالبة

أسلباني أبنت امي

وخاطري هاني

ولا حبيبي ولا من جاني

وبعدها لنجاة اعتابو، أغنية سمعتها لأول مرة وأنا في الإعدادية، كنت أسمعها يوميا، كانت المؤسسة مقابلة لبائع أشرطة، كثيرا ما كانت تتزامن مع دروس التربية الإسلامية، تقول اعتابوا:

ألوليد ألوليد

ألوليد ألوليد

أنا جيت، أنا جيت

واخا جيت جوني مار

واخا جوني مار قلبي اللي بغاك ألوليد

ألوليد ألوليد

واخا جيت جوني مار

لكن، حين صعد على الخشبة أحد اعمدة أغاني الملهى ليؤدي "أناسي ناس" لرويشة، اندفع الجميع إلى حلبة الرقص، إلا أنا. أنبتني عتيقة بعد انقضاء الجولة، قالت إنني معقد وأشياء أخرى من هذا القبيل. لم أغضب، كان الشيخ قد علمني كيفية ضبط النفس، ثم إنني كنت قد اقتنعت بما قاله الغزالي بخصوص الآفات المهلكة، منها الغضب؛ سندي في حلمي، عفتي و"إحياء علوم الدين" في ليلتي الليلاء هذه!

التقيت باعتابو بباريس قبل خمس سنوات، كانت حاضرة في اجتماع نظم على شرف آباء الطلبة، درست ولدها وابنتها لمدة ثلاث سنوات، كانا من خيرة خلق الله سلوكا وشبابا.

عادت المغنية الأولى لتؤدي ثلاث أغنيات في الملحون والمديح النبوي، كلها لبوزوبع، رقصت عليها شابة مكشوفة الصدر، أردافها كأرداف بنات الغول! كانت المغنية نفسها كبنات الغول، عرفتها من شفتيها المنتفختين، وفخديها الموشومين برموز غولية، وصرتها التي علقت عليها تمائم تجعلك تنظر بتمعن لتكشف اللغز. كذلك بنات الغول، لم ألتق بهن قط لأنني لا أرتاد مثل هذه الأماكن، ولكني كنت أراهن في كل ليلة في أحلامي عندما كنت صغيرا، لم يكن في بيتنا كهرباء، كنت أرى بنات الغول دائما. حكيت ذلك للفقيه التسولي وكنت قد كبرت شيئا ما وأتممت "جزء عم"، ضربني، قال "ستراهن فعلا يا ابن الكلب!". حكيت نفس القصة لنعيمة، قالت خلاف ما قاله الفقيه، قالت "بنات الغول آدميات في جنس غولي". لم أفهم كثيرا، ومع ذلك اعتقدت أن نعيمة على صواب، قلت سيأتي اليوم الذي سأفهم فيه، وها انا اليوم أفهم ما قالته. نعيمة لا تخطئ، فقط يجب ربط الإشارة بالعبارة، والله أعلم.

انتشيت بهذه الأغاني الصوفية في حانة الزاكي العظيمة، خلتني في خانقاه بكونية أو بلاد فارس، قلت "لعل هذ بسبب تأثير الكلمات!"

سمعتني عتيقة أتحدث إلى نفسي، أهلل وأكبر على طريقتي، كان كل واحد يعبر عن حاله وعن جمال اللحظة بطريقته، وكان النادلون في تأهب تام كجيوشنا وجيوش الجزائر المتاخمة على الحدود، منهم المشاة الذين يتصيدون الطلبات، ومنهم الطيارون الذين يحضرون قذائف القناني والكؤوس، ومنهم الأطباء العسكريون الذين يرافقون من يداهمهم القيء إلى المراحيض، نظام عسكري تام...

مؤذن المدينة يعلن ميلاد فجر اليوم بمكناس، لن تكون العودة إلى "لاتورين" صعبة هذه المرة، عتيقة جسد بلا حركة، أنا مخمر بكلمات الشيخ وكرامته في تشنيف أسماعي بمديح نبي الله في غير أماكن أهل الله. قلت لسائق التاكسي، كان في السبعين:

- "رونبوان أيام زمان"، من فضلك!

لم يفهم، قلت:

- محطة "زيز"!

قال:

- بعيدة،أنهيت الخدمة...

انتظرنا، عتيقة جسد بلا روح، تتقيأ، اختلطت في معدتها أصناف شتى مما تنتجه دهاليز خمر عين توجطات وزنيبر؛ سقطت، حملتها على ظهري، كنت مخمورا بكلمات المديح، صحوت بعد أن كنت قد غبت، مشيت ضعف مسافة الذهاب وعلى ظهري حمل ثقيل، سيقول عني من يقرأني " آثم!"

يحكى أن سكينة بنت الحسين قالت لبثينة:

- طلب منك جميل قبلة ورفضت طلبه! أعطه إياها وعلي إثمها!

قالت لها أيضا:

- كيف يقول فيك كل هذا الشعر ولست جميلة:

قالت :

- إن العين التي ينظر بها إلي ليست هي العين التي تنظرين بها إلى!

(حكاية أخرى) :

قال ابن أمير شاب انتقد بسبب حبه لفتاة ذميمة:

أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى

فصادف القلب فارغا فتمكنا

قلت "مكناس الجميلة مسكرة بكل المعايير"، ولو ذكرناها لقلنا "مكناس مسكر". قد تغضب آنذاك ساكنتها، وقد يغضب رئيس الجهة، قد يدعوني للمحاكمة، سأقول له:

ما أجمل مدينتكم، ذكرا أو أنثى، عليكم بتفعيل ترميم السور الإسماعيلي والمدينة القديمة، عليكم بالمحافظة على أبوابها والتعجيل بإصلاحها؛ وجدنا الأشغال اليوم كما هي قبل الجائحة، لم تتقدم قدر أنملة!

بعد ظهر هذا اليوم، ودعت "لاتورين"، عتيقة ما زالت نائمة، تتقيأ، ستزور الزاكي هذا المساء، ستنتشي، ستتخمر...

ركبت تاكسي من مكناسة الزيتون إلى رباط الفتح، أتذكر أحداث الأمس، ستصبح ذكرياتي بعد عقدين "أيام زمان". ودعتها وحال لساني يقول، وأنا في فندق من فنادق شارع محمد الخامس، وكأنني أذنبت البارحة، لأقضي ليلة أخرى في فندق :

مكناس لو علم الذين تغربوا

مثلي بأنك للمحبة موطن

لم بهجروا أرضا وأنت ترابها

عطر يفوح وكم يطيب المسكن

أنت الجمال، عروقه مدفونة

في إرثك الزاهي وأنت المأمن

والسور إسماعيل أنت قلاعه

والساحة الكبرى الهديم تحصن

والباب منصور بنصرة أهله

والسجن قارا في المآثر يحسن

طوبى لمكناس فإني عاشق،

وأنا بمكناس الأصيلة أومن

***

ويكبر الحب، وتكبرين...

 

 

------

الرباط، بتاريخ 30 غشت 2022م