يوميات مهاجر غير شرعي... (8)

سبت, 01/17/2026 - 21:09

محمد محمود مولاي الزين

 

عندما وصلنا إلى القرية التي كنت أظنّ أنها نهاية الغابة،

نمنا فيها… واسترحنا قليلًا.

وكان ذلك أول ملمح رحمةٍ من ربّي بعد أيام من القسوة.

اشترينا دجاجة من أهل القرية.

ذبحناها بأيدينا.

وكان عندهم نوع بسيط من المعكرونة.

لكن بالنسبة لي…

كان ذلك وليمة عيد.

كنت آكل وأضحك،

وأشعر بفرح طفولي لم أعرفه منذ زمن.

هناك فقط فهمت أن الأكل ليس أمرًا عاديًا…

إنه نعمة.

نعمة لا تُدرك قيمتها إلا حين تجوع حدّ الانكسار.

من تلك اللحظة تغيّرت.

صرت أقدّر أبسط الأشياء:

لقمة خبز،

رشفة ماء،

ظل شجرة.

صرت إنسانًا أخفّ،

أبسط،

أقرب للحياة.

التقيتُ من جديد بالشباب الأفارقة.

صوماليون، سودانيون.

كانوا يغنّون ويرفعون المعنويات،

كأن الغناء هو سلاحهم الوحيد ضد اليأس.

عدتُ إلى خيمتي،

تمدّدت،

وغفوت…

لكن عقلي كان مستيقظًا،

يفكّر في المجهول الذي ينتظرنا.

في الصباح،

جاءت الصدمة.

كبير المجموعة قال بصوت حاسم:

“الرحلة لم تنتهِ هنا.”

في تلك اللحظة،

تذكّرتُ الرجل المصري المسن.

بحثت عنه.

لم أجده بين الناس.

ذهبتُ أفتّش،

حتى وجدته…

جالسًا وحده،

جسده منهك،

وعيناه متعبتان من الحياة.

نظرتُ إليه بشفقة.

تكلّمتُ مع صديقي الذي يجيد البرتغالية.

تحدّثنا مع صاحب القرية،

ثم تواصل مع الجيش.

وبعد انتظار طويل…

وافقوا على نقله في زورق.

كان ذلك آخر لقاء يجمعني به.

ودّعته بصمت،

وأحسست أنني أودّع جزءًا من نفسي.

تجهّزنا،

ودخلنا الغابة من جديد.

ثماني ساعات من المشي المتواصل.

في منتصف الطريق،

جلستُ،

وفتحتُ علبة طعام.

أكلتها بنهم.

بعد ساعة،

ضربني ألم قوي في بطني.

ألم جعلني أنحني،

وأحسّ أن الموت يقترب.

قلت في نفسي:

“لا… لا الآن… يجب أن أواصل.”

جاءني شباب من فنزويلا.

لن أنساهم أبدًا.

أعطوني دواء.

أخذته.

تذكّرت قول النبي ﷺ:

“ما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواء.”

جلستُ وحدي في الغابة.

الألم يمزّقني.

لم يبقَ معي أحد.

تذكّرت أهلي.

تذكّرت أحبّتي.

تذكّرت ابني.

قلت:

“هذه هي النهاية.”

لكن بعد وقت…

خفّ الألم.

مرّ بعض المهاجرين.

كانت بينهم امرأة تحمل أطفالها.

ذلك المشهد…

أشعل في داخلي حماسًا غريبًا.

نهضت.

واصَلتُ السير.

لم آكل.

كنت أشرب الماء فقط.

وبعد ساعات طويلة…

وصلنا إلى المخيّم.

الناس منهكون.

الوجوه منهارة.

لكننا وصلنا.

استحممت.

جلست مع الشباب.

عرضوا عليّ تونة.

قلت ضاحكًا:

“لا… إلا التونة!”

كاد أحدهم أن ينفجر من الضحك.

وقال:

“أين لحم الدجاج المشوي؟”

ضحكنا…

ضحكة قصيرة،

لكنها أنقذت أرواحنا من الانهيار.

عدتُ إلى خيمتي.

صلّيت ركعتين.

رفعتُ يديّ،

ودعوت:

“يا رب…

اجعل هذا آخر يوم لي في هذه الغابة.”

ودعوت لوالدي…

من قلبٍ مكسور،

لكن مليء بالأمل.

يتبع…

لم تنتهِ الحكاية هنا.

فما بعد الغابة

كان أخطر من الغابة نفسها.

وما بعد النجاة

كان امتحانًا آخر للروح