
(فصل: بين النجاة والخذلان)
بعد وصولنا إلى المركز التابع للأمم المتحدة،
جلسنا على الأرض كما يجلس الجنود بعد معركة طويلة.
الأجساد متعبة،
والعيون مفتوحة أكثر من اللازم،
كأن النوم صار يخاف منا.
اتفقنا أن نبقى يومين في المركز.
ليس للراحة فقط،
بل لنلتقط أنفاسنا
ونعيد حساب ما تبقى لنا من طريق.
المكان كان محروسًا.
جنود بنما يقفون على البوابات،
ورجال الشرطة يراقبون كل حركة.
كنا أحرارًا من الغابة…
لكننا لم نكن أحرارًا بعد.
داخل المركز،
كان هناك مكتب صغير لتحويل الأموال.
فتحت هاتفي،
وتواصلت مع أسرتي.
لم يكن من السهل أن أطلب المال،
لكن الطريق لا يمشي بالنيات وحدها.
أرسلوا لي ما يقارب 2000 دولار.
كنت أظن أن هذا المبلغ
هو الجسر الذي سأعبر به ما تبقى من الرحلة.
لكن عندما وصلتني الحوالة،
وجدتها 1400 فقط.
سكتُّ طويلًا.
نظرت إلى الشاشة.
أعدت العدّ.
ثم شعرت بشيء ينكسر داخلي.
حتى هنا…
حتى بعد الغابة،
ما زال هناك من يسرق تعبنا.
قلت في نفسي:
هل يمكن لطريق إلى النجاة
أن يُبنى على هذا المبلغ الناقص؟
قررنا أن نكون حذرين.
اتفقنا ألا نتعامل مع أي مهرب
قبل أن نعرف كل شيء.
لم يعد لدينا رفاهية الخطأ.
وفي تلك الأيام،
كان هناك شاب موريتاني مفقود.
خرج ولم يعد.
كنا ننتظره.
نصلّي له.
ندعو الله أن يعيده سالمًا.
مرّ الوقت،
وبدأنا نفقد الأمل.
وفي اللحظة التي قررنا فيها
أن نركب الباص المتجه إلى العاصمة…
حدثت المعجزة الصغيرة.
رأيناه.
ينزل من باص أمامنا.
متعبًا،
شاحب الوجه،
لكنه حي.
قفزنا من باصنا.
ركضنا نحوه.
كأننا وجدنا قطعة من أنفسنا كانت ضائعة.
قررنا أن نبقى معه تلك الليلة.
لا أحد يُترك خلفه
بعد أن خرج من الجحيم.
في اليوم الثالث،
ركبنا الباص إلى العاصمة.
كانت الرحلة طويلة،
لكن شيئًا ما في الطريق تغيّر.
بنما…
كانت كأنها بلد من كتاب.
غابات،
أنهار،
سماء واسعة،
وبيوت نظيفة.
وعندما بدأت ناطحات السحاب تظهر،
قلت في نفسي:
“هل يمكن لبلد صغير
أن يكون بهذا الجمال؟”
ثم خطر ببالي موريتانيا
وقلت بحزن هادئ:
لو لم ينهبها المفسدون،
لو لم يسرقوها اللصوص،
لكانت اليوم مثل قطر أو الإمارات…
بل ربما أجمل.
لكن التاريخ
لا يُكتب بالـ “لو”.
وصلنا إلى العاصمة.
نزلنا في المحطة.
كانت مدينة حيّة،
سريعة،
مليئة بالضوء.
دخلنا مطعمًا صغيرًا.
جلسنا نأكل.
نضحك.
كأن الحياة أعطتنا استراحة قصيرة.
لم نكن نملك شيئًا.
لكننا كنا نملك
فرصة جديدة.
وكان ذلك،
في تلك اللحظة،
يكفي.
يتبع…









