مع "المتنبّه" في بيته

اثنين, 04/06/2020 - 20:07

 

يسميه ساداتنا علماء المغاربة ب"المتنبه"! ربما فراراً من وصمه بادعاء النبوة.. كما يحلو لحساده ونقاده. 
في قصيدته الفريدة - وكلهن فرائد-:

صَحِبَ الناسُ قَبلَنا ذا الزَمانا ** وَعَناهُم مِن شَأنِهِ ما عَنانا

وقفتُ متأملاً البيت التالي:

كُلُّ ما لَم يَكُن مِنَ الصَعبِ في الأَن ** فُسِ سَهلٌ فيها إِذا هُوَ كانا

فقلت: كيف يكون الأمر غيرَ صعب على النفس؛ فإذا وقعَ صار سهلا؟ أليس هذا من تحصيل الحاصل؟! كأنك تقول: كل ما كان سهلاً، إذا وقع صار سهلا!

ألم يكن أليق وأدقّ لو قال: 

كُلُّ ما لَم يَكُن مِنَ السهلِ في الأَن ** فُسِ سَهلٌ فيها إِذا هُوَ كانا؟؟

ثم قلت: لم لا أرجع لشراح الديوان؛ فلن يفوتهم ذلك الاستشكال!

رجعت بدءاً إلى الجِنّيّ ابن جني (ت: ٣٩٢)، صديق المتنبي، فوجدته يعرض المعنى باختصار قائلا: 
"أي: إنما يصعب الأمر قبل وقوعه، فإذا هو وقع سهل أمره".

ومَن بعدَ ابن جني إلا رهينُ المحبسين التنوخي(ت: ٤٤٩)؟! الذي كان مفتوناً بالمتنبّه أيما افتتان.. فرجعت إلى شرحه (معجز أحمد)؛ فإذا به يكشف الغطاء أكثر، حيث يقول: 
"ما لم يكن: أي ما لم يقع. يقول: إن كل ما لم يقع مما يُستصعب في النفوس، فهو سهلٌ إذا وقع".

أما عصريُّه ابن فورَّجة (ت: ٤٥٥) صاحب (الفتح على أبي الفتح)؛ فيزيل الإشكال بتوضيح شافٍ وافٍ حيث يقول: 
"قوله: ما لم يكن بمعنى ما لم يقع. وليست كان الناقصة. (...) ومعنى البيت أم كل ما يقع مما يستصعب في النفوس فهو سهل إذا وقع".

فاتضح من هذا أن تقدير الكلام: 
"كل ما يستصعب في النفوس ولم يقع؛ فهو حين يقع تتكيف معه النفس فيصير سهلا". 

وعلى هذا؛ فشبهُ الجملة (من الصعب) لم يعد يصلح خبرا ل(يكن)، بعدما اتضح تمامها. فالمتبادر أن يكون شبه الجملة في موقع الحال؛ أي: كلُّ ما لم يقع -والحالُ أنه صعب في النفس-... إلخ. وتكون (سهلٌ) خبرا عن (كل) في مطلع البيت. و(كان) الأخيرة أيضا تامة.

على أن البرقوقي (وهو معاصر، ت: ١٩٤٤م) في شرحه؛ قد جعل (من الصعب) خبراً عن المبتدأ (كل)! 
وهو إعراب مشكلٌ لا يساعده المعنى الذي أطبق عليه الشراح.

 

د. محمد الأمين السملالي