التحليق في اليوم العالمي للشعر

ثلاثاء, 03/22/2022 - 04:49

محمد عبدالله البريكي

 

عندما تهلُّ مناسبة اليوم العالمي للشعر، أحاول التحليق بخفّةٍ وخلسة، لأنظر إلى المضارب من عُلُو، وتتبدّى لي مدنٌ قديمةٌ جدّاً، لكنّها مضيئةٌ بقناديل كالنجوم، لا تبلى ولا يخفت بريقها، على الرغم من قدمها، فهي واقفةٌ بشموخٍ أمام عواصف الزمن وتقلّبات بعض أهله، وأرى مدناً حديثةً أنيقةً في مظهرها، لكنها هدمت القديم كله، فتماهت مع مدنٍ جميلةٍ أخرى، وفقدت هويّتها وتاريخها، وأنا من هذا العلو، لا أرى أن المدن الحديثة غير صالحة للبقاء، لكني أراها كمن جاء من البادية ولبس لباس المدينة فتاهَ بين شوارعها وأبراجها، فهو غريبٌ لا خيل عندهُ يعبر بها الضجيج وتُسعِفُ قوله، وهو يذكرني بقول المتنبي:
لا خيلَ عندكَ تُهديها ولا مالُ
فليُسعفِ النطق إن لم تسعفِ الحالُ
لذلك أرى أن الشعر يتردد عليَّ في هذا الفضاء كالضوء، ويرنُّ في قلبي كطبولٍ إفريقيّةٍ عتيقة، فهو يأخذني إلى بيتي بعد أمسية شعرية أجتاز فيها نرجسيتي وأطل من نافذة المودعين أحلامهم في ليلٍ صفّق فيه الجمهور طويلاً للكلمات، وأنظر مثل النائم إلى حلمي، فأجد درجاتٍ يصعد إليها الشاعر، كما أرى صراخ البعض على قوالب شعريّةٍ باليةٍ عفا عليها الزمن.
إنني أتساءل لماذا كل هذا الصراخ ونفي الآخر؟ وفرض هيمنةٍ شعريّةٍ وهميّة، مع أنّ الشعر الجيّد لا يحتاج إلى تعريفاتٍ جديدةٍ وتسمياتٍ غرائبيّة، ولا إلى حالات الاستعلاء من قبل الأشكال الشعريّة في عالمنا العربي، فالقدماء العظماء الذين تركوا لنا قمح الشعر المتجدد في نظر البعض قدماء وحسب، والذين يتوقّدون في جمال القصيدة العربية، ويبذلون لها ما شاء الله لهم أن يبذلوا، هم على خطى القدماء وحسب، هكذا تبدو الصورة مهتزة ومتخبطة، فأين الإنصاف والأمة العربية هي أمة البيان والفخامة؟.
في حقيقة الأمر ومنذ أن نطق الإنسان الأول في عالم الشعر بالقريض ونحن لنا غلبةٌ ليس كمثلها غلبة، مع احترامنا لكل الثقافات والأمم التي قالت شعراً منذ قديم الأزل إلى اليوم، فالشعر هو الشعر بكل تفنيداته الجمالية والموسيقية، وأية إضافات له خارج سياق الشعر هي إضافات تفتقد للروح. وفي الوقت نفسه نحن نؤمن بالتجديد من دون إلغاء الآخر، وهو ما يجعلنا نقول: إنه ليس من العدل أن نتحدث بخفّةٍ عن الشعر العربيِّ الذي له وجودٌ حقيقيٌّ على المستوى العالمي، فاستنساخ الشعر الغربيِّ بشكله التقليديِّ هو أيضاً، يؤكّد أن الهجمة شرسةٌ وليس فيها إنصاف. الشعر يأتي بقوّة الشمس وقوّة الحياة، ومن أبرز احتفالية اليوم العالمي للشعر هو أن يكون التقبّل المنطقي لتطوّر القصيدة العربية ضمن منظومتها التي درجت عليها هو الحق، فإذا غابت شمس المعرفة وأصبح كل من هو خافت وضعيف يودُّ أن يفرض نفسه شعريّاً، فإنَّ هذا هو المؤسف حقّاً، فدعونا نؤمن بأنّ الشعر حريّةٌ ضمن نطاق المسؤولية حتى يكون الإبداع مفتوحاً وحراً. فالتجديد في فخافة قماش اللغة، وأناقة تطريز المعنى، وتهذيب هيئة الصورة وهيبتها، والابتعاد عن النظم البالي في الظهور، هو الذي يحافظ على الهوية والتاريخ والإرث العربيِّ الخالد.

 

[email protected]