قصيدة نادرة لعالم ولاتي

سبت, 12/26/2020 - 20:54

 إسلم بن السبتي

 

كنت في دراسة مفصلة عن حركة التأليف في بلاد شنقيط، مؤلفات الولاتيين أنموذجا، نشرتها مجلة آفاق الثقافة والتراث التي تصدر عن مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بمدينة دبي في الإمارات العربية المتحدة، قد بسطت القول عن مؤلفات الولاتيين، فجاء العمل بفضل الله في 26 مدخلا طالت كل ما كتبه العقل الولاتي، إلا ما ند عني، مما لم أصل إليه في المصادر التي عدت إليها، ومنها كتابنا معجم أسماء المؤلفات الموريتانية المخطوطة.

وفي المدخل المخصص للشعر أومأت إلى قصيدة نادرة كنت وقفت عليها في مكتبة أهل أحمد البشير في مدينة شنقيط العامرة، وهي مكتبة زاخرة بنفائس المخطوطات، وقد كتبت عن نوادرها في أحد أعداد مجلة الموكب الثقافي، وذكرت جملة صالحة من تلك النفائس.

ويعود تأسيس تلك المكتبة إلى حقبة بعيدة أيام حياة والد الأسرة العالم الصالح أحمد بن البشير المتوفى سنة 1270ه، مؤلف كتاب مفيد العباد سواء العاكف فيه والباد، وكتاب موارد النجاح، ونعتقد جازمين أنه هو من أسس تلك المكتبة وجمع كتبها، ويشهد على ذلك مصادره الكثيرة التي رجع إليها في تأليف كتبه.

وقد قادني البحث فيها إلى الوقوف على ورقة قرأتها وتمعنت في مضمونها، فإذا بها تنطق بمضمونها وتقول بأنها قصيدة سيدي محمد بن سيدي عثمان المتوفى سنة 1132 في مدينة تارودانت بالمغرب. وساعتها عرفت بأنني وقعت على كنز ثمين، يستحق الإظهار والإخراج إلى جمهور قراء الشعر والبحث في أوليته ضمن الحيز الجغرافي في مدينة ولاتة.

لقد كانت المخطوطة في ورقة ضعيفة ومبتورة في بعض جوانبها، مما أثر على النص، وترك رتقا ذهبت فيه بعض الأبيات، وبعض أجزائها، ومع ذلك فقد بقيت منها أبيات تزيد على أربعة وعشرين بيتا، بعضها غير مكتمل بسبب ما قلناه سابقا.

أما صاحبها سيدي محمد بن سيدي عثمان بن سيدي عمر الولي، فقد قال عنه  صاحب فتح الشكور بأنه كان صدرا من صدور العلماء، ومفخرا من مفاخر الأولياء النجباء، وأحد الفقهاء الأتقياء، نحويا، لغويا، أديبا، شاعرا، ناثرا، بليغا، حسن الشعر، مجيدا، مصيبا، حسن الخط، حسن الفهم، ثاقب الذهن. وكان أعجوبة وقته، ونادرة زمانه، ماهرا في كل ما يحاوله، آية في الفهم والذكاء. وكان ذا فضل ودين وصلاح، ولزوم طهارة. وقال في تاريخ البرتلي، فريد عصره ووحيد دهره، الفقيه النحوي اللغوي المتفنن.

أما القصيدة فهي في مدح الباشا الخضير بن أحمد بن يرَّ العبديّ من عمال مولاي إسماعيل بن علي كما جاء في مقدمتها. والممدوح قد وصل مدينة ولاتة في الثاني عشر بعد المئة والألف، في يوم الإثنين في الثاني عشر من ربيع الثاني، وأقام بها خمسة أيام وذهب عنها يوم السبت. ويظهر أن والد المؤلف سيدي عثمان بن عمر الولي هو من طرد الباشا المذكور من مدينة ولاتة كما يفهم مما ذكره صاحب فتح الشكور.

ويقول جمال بن الحسن ودود بن عبد الله في تحقيقهما لفتح الشكور، بأن الخضر هذا هو من قادة الرماة الذين كانوا يسيطرون على تنبكتو وأحوازها.

أما تاريخ ابن اطوير الجنة فيقول في حوادث 1112ه، أتي الخضر الرامي يوم الإثنين في الثاني عشر والمئة.

ولا نعلم متى أنشدت تلك القصيدة، هل في تلك الأيام التي أمضاها الباشا في ولاتة أم لا؟ أم أن الشاعر أنشدها وهو في مدينة تارودانت، فالمناسبة واضحة، والوقت مجهول، كما لا يعلم متى ذهب شاعرنا إلى مدينة تارودانت التي توفي فيها؟ وهل أتاها من مدينته ولاتة وهو ذاهب إلى البلاد المقدسة أم لا؟ أسئلة لا نملك الإجابة عليها وهي واردة في هذا السياق.

أما القصيدة، فنعتقد أنها غير مكتملة الأبيات، ومن هذا المنطلق ندعو من يملكها أو بعضها فليزودنا به مشكورا. وهي كما قلنا أنشدت في غرض المدح، قال الشاعر في مقدمتها ذاكرا لاسم الممدوح، ومنوها به:

من ضامَهُ  دَهْرُهُ إمْلاَقًاْ أو ضَــــــــــــــرَرَا؟    فَلْيَقْصُدِ البَاشَةَ المُسْتَعْلِىَ الخَضِرَا

ثم يمضى في ذكر مآثره، معتمدا لازمة تؤكد قوة التصاق الخصال المذكورة، بشخص الممدوح، حيث يقول:

ولا اعتفــــاهُ ضَريك قط ذُو عَـــــــــــدَمٍ      إلاَّ وَقَدْ حَازَ فِي أَظْفَارِهِ الظَّفَـــــــــرَا

ولاَ اعْتَرَاهُ مُقل يبتغي جــــــــــــــــــــــــــــــــدة    إلا له نهر جدوى كفه انفجـــــــــــــــــــــــرا

 ولا أتاه صَدٍ يَبْغِى روًى وَحَيًـــــــــــــــــــــــــــا   إلا وصادف بحرا موجه زَخِــــــــــــــــــــراَ

ولا تَيَمَّمَهُ شَاكي الوظـــــــــائف إِلْـــــــــــــــــــــــــــــلاَ آب من عنده مُشكًى ومنتــــــــــصرا

ولا انتحاه مُضيمٌ مضَّهُ شَـــــــــــــــجَنٌ   إلا وَأَلْفَاهُ مِمَّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا يُتَّقَى وزرا

ويستمر على النهج حتى يصل إلى بيته الشهير، حيث قال

ما قال لا قط في شيء لسائلــــــــــــــــــــــــه    وكيف والجود طبع في يديه سرى

فقد أجاد في هذا البيت واستلهم معنى بيت الفرزدق في قصيدته الشهيرة في مدح علي بن الحسين حيث قال:

ما قَالَ لَا قَطُّ إلَّا في تَشَهُّدِهِ    لولا التشهُّد كانت لاؤهُ نَعَمُ

ولا نريد أن نمضى في الحديث دون أن نقول بأننا نعتقد أن هذه القصيدة الجميلة تعتبر من أوائل ما أنشدته شعراء بلاد شنقيط في غرض المدح، فهي بداية جيدة لشعراء هذا الفن، واستلهام وتقليد للشعراء القدامى، في اللفظ والمعنى والمبنى.