وجوه.. قصة الوجه الأخير / الدهماء ريم

سبت, 05/30/2020 - 21:18

 

...

#وجوه_قصة_وجه

.....

في قبو مظلم محفوف بعظمتيْ فكٍّ، وُلدت لصديقي عبد الله زائدة لحميَّة، ظاهرها لسان وباطنها سيف سيكون أداةً ذات شأن في معركة حياته وطموحاته، وصَلاح دنياه.

أحاط صديقي أداته بسياج من شعر كثيف، ليُتمَّ شروط الكهنوت المعاصر أو المغالطة المقدسة، ثم ركَّب تطبيقا يُوفِّر بعض الخُنوع والدموع.. وأعلن عن ميلاد جهاز بشري "أداتي" للوعظ غير الرِّبحي.. انتبذ لنفسه ركنا قصيًّا عن التنوير، وتلقَّب: "واعظٌ، فئة خمس نجوم"،.. ضبط العزيمة على مؤشر الزهد الظاهري، وأن لا يُصيب من سقط متاع الفانية إلا كمالياتها المريحة.

أطلق حلقات الزَّعيق،.. اصطفى لنفسه تلميذا بَدَا أشدَّ وثوقية من أستاذه، يُحسن الانتداب لمهامِّ الوخز.. تموقع التِّلميذ الأثير مُتسمِّرا في ذات الزاوية الحادة من "التنوير"، يرتشف في مستقرِّه الجديد ما فاض من الوهم النَّازح عن أستاذه، ليُصبح في لمح البصر شيطانا تحت التدريب، فئة شِهاب،.. يُرفرف بلسانه مضاعفًا الغمة على صدر الأمة، ويُكبِّلُ الناس نيابة عن أستاذه بحبال وعظ مشوَّشة فُتِلت بكذب مُتقيِّح.

ولأن صديقي لا يُحب المرذولين المجاهرين بالفسق، يعترف علنا بحبه لغادة سمينة من مضارب العرب الغنية، تُدعى قطر، أَحبَّها لعزِّها، وكرهَ شقيقتها الشَّحِيمَة السعودية، رغم سابق أفضال أوساخ أموال زكاة رعيَّتها على جيبه، ورغم محاصيل زكاة الفطر من أطنان "بسمتي" على بطنه... صديقي يكره الإمارات، لأنها ذات حسد،.. غير أن تلميذه النّابه تجاوز حدَّ الحدود، فأحبَّ الشقيقات جُملة، وجَمَع بينها فيما لحق.. ففي هذه المنطقة العاطفية المبهمة يجتنبان التسخين، ويتبادلان الإيحاءات الاستعارية المنافقة في سياق ما تبتغيه المصالح الدينية، عفوًا الدُّنيوية.

صديقي القائم بأمر الله، ألْزَمَ نفسه بأنْ يكون عاطلاً عن التفكير كقبر في قفر، فكَّ قرصه الرمادي عن مصادر النور، وإن كان يرفع التَّعطيل أحيانا عن الحيِّز ما بين السّرة والركبة حتى يَدْخل بالظلام شرعًا، فهو يُشجِّع تناسل الظلام، ومُفاخرٌ به الأمم في الدُّنيا..

متمسك بمنطقه المظلم المُعمَّم، القائل بحاجتنا لإعادة الفتح ولو بسوط حرب..

ومازال صديقي ذلك دأبه حتى آلت إليه رُتبَة من رُتَب الوعظ الرَّقمي الكُبرى بريعِها ورعيَّتها، مالٌ وأطيان، وطقم زوجات مختلف ألوانه، وعلاقات ذرعها سبعون ذراعا.. وكتيبة أطفال تائهة، لا يُميّز ملامحها، يريد أن ينال البر سخاءً، فيُنفق المنيِّ المبارك سرا وعلانية على الآنسات المُحتسبات.

أما حَجْمُ التلميذ شهاب فلا يتجاوز مقاس فتحة فم ثعبان، ذلك ما يقتضيه التَّراتب، لكن فاعليته تُذكِّرني بمكانة بعض الكائنات شبه المجهرية في سلالتها، ضئيلة الحجم هلامية اللون، لكنها تَحمِلُ إبرا من السّم، تكفي لتغييب فيل عن الحياة،.. لم أعرف شخصا على الغبراء يحمل من مُركَّزات الحقد ومنمنمات الغلّ ما يحمل التلميذ شهاب.

استثمر صديقي في حقل الدعوة بالألوان والإعلان الذي لا يتطلَّبُ التوهج العقلي، وطفق يعيد انتاج استبداد الزَّمن الذي انتج عقله، فحقَّق فتحا مبينا، كسر الأقواس، ونثر ما بين أضلعها، .. نزع الأظافر وتركهما تنزف، .. انتشر في صورة ومضات افتراضية مُشكِّلا مفرزة أُثقلت بتغذية وعظية زادت على حاجة عقولها الغضّة، ..

المفرزة ، رأس حربتها تلميذه شهاب، تسبُّ وتقذع،.. شيدت حقل رماية لتدريب أشبالها،فوق أعراض الخصوم،.. كلّ ذلك مستساغ في المنطق المتقيح لنسخة صديقي من دين الدينار.

نسخة مولانا لا تمنعه من الخوض والانخراط في المُكايدات السّياسية الوطنية والمُناكدات القبلية، والمُناكفات الجهوية، والتحرش بالسلم المجتمعي كمقصد، والإشادة بالعقم الأخلاقي المتأسِّي بالسذاجة.. والمغالطة، المغالطة، فأقدامه غير مغروزة في هذه الأرض.

سألته: ما قولك في الاغتياب البذيء للخصوم والدُّعاء عليهم والادّعاء، هل من ملّة تُشيع مواجهة انحراف بانحراف أكبر، أمْ أنتم قوم مستغنون عن أجْرِ مَنْ طَيَّبَ الكلام؟،.. فكان جوابه: هذا، اسمه الإجهاز في لغة المُطارحة الدَّاعرة، وهو منهج قُعِّدت أصوله في فحش القول، فرع النّزق، وأخذ به صفوة المتأخرين من أتباعنا، ولا بأس فيه لمن تأوَّل!.

بينما كنتُ أجدِّفُ في لُجَّة الأزرق، واجهتني صوّر طابورٍ لتوزيع بعض الإكراميات على ذوي الحاجات، لمحتُ شبحًا مقنَّعًا بسمت صديقي، متدثرا بمسبحة، مُتكوما في ظل التلميذ رفيق سيره شهاب، الذي اتخذ وضع تمدّد الكوبرا وقوفاً، ورغم القناع خمَّنتُ أنَّهُ هوَّ، معقول!.. هاتفته مستوضحة، ما حملك على موائد السلطان؟، ألم يكن زعيم الطغمة الفاجرة وكنت خَصيمه؟،

رماني بقهقهة روحانية،..افهمي صديقتي، هذا بزنس جهادي نتقوَّى به على الأعمال الصالحة، أما الجهاد فتَعتَريه الخدع قياسا على الحرب، ونحن هُنا لنَمير أهلنا ونُطعِم خيلنا ونُطمِّع الرَّعية، ونطوّر العدة والرّكاب. ولغدٍ شأنه!،.. تداعىَ إليَّ صدى صوت تلميذه شهاب يشفع لفتواه ويُؤمِّن عليها.

إيييه!

من خصلات صديقي الفقَّاعة المُوهِم، أنه مخلص لذاته.

 

 

--------

 

وجوه.. قصة الوجه الأول..

وجوه،.. قصة وجه / الدهماء ريم

وجوه .. قصة الوجه الثالث / الدهماء ريم

وجوه.. قصة الوجه الرابع/ الدهماء ريم